فاطمة الجباري
في عصر الأرقام والمؤشرات السريعة، أصبح من السهل اختزال الإبداع في عدده، وقياس قيمته بحجم إنتاجه، وكأن الجودة تُستخرج من آلة عدّ لا من عقلٍ واعٍ وتجربةٍ صادقة.
هذا الفهم السطحي أوجد تصورًا مضللًا يجعل الغزارة مرادفًا للتميّز، بينما يُنظر إلى القلة وكأنها قصور أو غياب.
الإبداع الحقيقي لا يُقاس بالكم، بل بالكيف. فالفكرة العميقة لا تحتاج إلى تكرار لتثبت حضورها، والعمل المتقن لا يفقد أثره إن جاء محدودًا في عدده. كثير من الإسهامات القليلة في حجمها كانت أكثر تأثيرًا واستدامة من أعمال غزيرة لم تتجاوز حدود الاستهلاك العابر.
الخلط بين الكم والكيف أضرّ بالمشهد الثقافي والإعلامي، حيث طغى منطق السرعة على منطق التأمل، وكثرت المنتجات المتشابهة على حساب المحتوى المتفرّد. في هذا السياق، أصبح الصمت يُفسَّر على أنه تراجع، بينما هو في كثير من الأحيان خيار واعٍ، واحترام للفكرة قبل طرحها، ومسؤولية تجاه المتلقي.
في العمل المؤسسي، تتضاعف أهمية هذا المفهوم. فنجاح المؤسسات الثقافية والإعلامية لا يُقاس بعدد الأنشطة أو كثافة الحضور الإعلامي فحسب، بل بعمق الأثر الذي تتركه، وبقدرتها على صناعة وعي مستدام. الإنجاز الحقيقي هو ما يبقى بعد انتهاء الحدث، لا ما يلمع لحظة ثم يخبو.
لسنا مطالبين بأن ننتج كثيرًا، بل أن ننتج بوعي.
ولا أن نكون حاضرين في كل مشهد، بل أن نكون فاعلين حيث يجب.
فالإبداع الذي يُقاس بالكيف قد يكون قليلًا في عدده، لكنه كبير في أثره.
وهذا هو المعيار الأصدق للنجاح.