نجلاء العتيبي
في النقاشات الثقافية المرتبطة بالدراما والتمثيل كثيرًا ما تُنتزَع الآراء من سياقها، وتُحمَّل بدلالاتٍ لم يقصدها أصحابها، خصوصًا حين يتصل الرأي بالهوية واللهجة والتمثيل الفني.
ومن هذا الباب جاء رأي الدكتور غازي القصيبي - عليه رحمة الله- حين عبَّر عن قناعته بأن تمثيل الشخصيات الخليجية ينبغي أن يُسنَد إلى ممثلين خليجيين، لا بدافع الإقصاء، ولا بروح التفاضل، وإنما انطلاقًا من فهم عميق لطبيعة النص، وحساسية اللهجة، ودقَّة التمثيل الثقافي الذي لا يتحقَّق بالاجتهاد وحده.
وهذا الرأي عند تفكيكه بهدوءٍ لا يحمل أيَّ نزعة عنصرية كما صُوّر أحيانًا، وإنما يعكس إدراكًا واعيًا للفروق الدقيقة بين اللغة بوصفها أداةَ تواصُلٍ عامةً، واللهجة بوصفها وعاءً للذاكرة الاجتماعية والتجربة اليومية؛ فاللغة العربية باتساعها وثرائها مساحةٌ مشتركةٌ بين المبدعين من مختلف الأقطار، يكتبون بها، ويتحاورون ضمن نظام لُغوي واحد، غير أن اللهجات تظلُّ مرتبطةً بسياقاتها، مشحونةً بإيحاءات لا تُلتقَط من الخارج بسهولةٍ.
اللهجة الخليجية على وجه الخصوص، ليست مجرد نطقٍ مختلفٍ لبعض الحروف، وإنما منظومة صوتية وثقافية متكاملة تتداخل فيها الإيقاعات، طريقة بناء الجملة، مستويات الخطاب، وحتى الصمت بين الكلمات.
فإتقان هذه التفاصيل لا يتحقَّق بالحفظ أو التقليد السريع، إنما ينمو من المعايشة الطويلة، والاحتكاك اليومي، والعيش داخل النسيج الاجتماعي الذي أنتج هذه اللهجة، وهذا أمر ينطبقُ على جميع اللهجات دون استثناءٍ.
الاعتراف بصعوبة إتقان اللهجات الأخرى ليس انتقاصًا من قدرات الممثلين العرب، ولا تشكيكًا في موهبتهم، بل هو إقرار بحدود الخبرة الإنسانية، فكما أن الممثل الخليجي لا يستطيع إتقان اللهجات الأخرى بإتقانٍ كاملٍ مهما بذل من جهدٍ؛ فإن الممثل غير الخليجي يواجه التحدي ذاته عند محاولة تجسيد شخصية خليجية بكل عمقها وصدقها، فالمسألة هنا ليست قدرة فردية بل هي خصوصية ثقافية.
التمثيل في جوهره فعل صدق قبل أن يكون مهارة تقنية. والمتلقي حتى إن لم يكن ناقدًا محترفًا يمتلك حسًّا فطريًّا يلتقط الخلل حين تكون اللهجة مصطنعة، أو حين تنفصل الشخصية عن بيئتها الطبيعية.
هذا الخلل -وإن بدا بسيطًا- ينعكس على مصداقية العمل كاملًا، ويُضعف أثره مهما كانت عناصره الأخرى قوية.
من هذا المنطلق يصبح تخصيص الأدوار وَفْق البيئة الثقافية ممارسة مهنية واعية تهدف إلى حماية النص من التشويه غير المقصود، وصون الهوية من التبسيط، ومنح العمل الفني فرصةً للوصول إلى أعلى درجات الإقناع، هذا التوجه لا يغلق الأبواب أمام التعاون العربي، ولا ينفي التلاقح الإبداعي، إنما يضع لكل تجربة شروط نجاحها الواقعية.
إن تحويل هذا الرأي إلى تهمة أخلاقية يختزل النقاش، ويقفز فوق جوهر المسألة؛ فالقضية ليست مَن يمثل مَن، وإنما كيف نُمثل الإنسان بصدقٍ، كيف نحترم السياقات التي ننقلها إلى الشاشة.
عندما يُفهم الرأي في إطاره الصحيح، يتضح أنه دعوةٌ للاحتراف لا للإقصاء، للدقة لا للتعالي، وللفن الذي يحترم ذاته قبل أن يطلب تصفيق الآخرين.
ضوء:
«لهجة الإنسان ليست صوتًا،
إنها خلاصة بيئته وتجربته وذاكرته اليومية».