د. رانيا القرعاوي
في الحروب لا تستهدف المدن فقط، بل الحقيقة أيضًا. ومع تسارع المنصات الرقمية، لم تعد المعركة على الأرض وحدها، بل امتدت إلى الفضاء الإعلامي، حيث يمكن لصورة واحدة أو خبر غير موثَّق أن ينتشر في دقائق ويصل إلى ملايين المتابعين قبل أن تتضح حقيقته.
تزداد الحسابات مجهولة المصدر في أوقات الأزمات، حيث تنشر أخبارًا وصورًا غير دقيقة، ثم تختفي بعد أن تحقق هدفها: إثارة الجدل أو خلق حالة من القلق والارتباك. وقد شهدنا مؤخرًا مثالًا واضحًا عندما تداولت بعض الحسابات صورًا لحريق على أساس أنه في السفارة الأمريكية بالرياض، قبل أن يتبين لاحقًا أن الصور لا علاقة لها بالموقع أو بالحدث المزعوم، أو خبر عن إجازات للمدارس والجامعات، مثل هذه الحالات أصبحت نمطًا متكررًا في زمن الأزمات، حيث تختلط الأخبار الصحيحة بالمعلومات المضللة في فضاء رقمي مفتوح.
تشير تقارير معهد رويترز لدراسة الصحافة، إضافة إلى دراسات صادرة عن اليونسكو حول التضليل الإعلامي، إلى أن الأزمات والحروب تُعد البيئة الأكثر خصوبة لانتشار الأخبار المضللة. فالجمهور يكون في حالة متابعة مكثفة للأحداث، ما يزيد احتمالية مشاركة الأخبار قبل التحقق منها. كما توضح أبحاث معهد أكسفورد للإنترنت أن الحسابات مجهولة الهوية تلعب دورًا رئيسيًا في تضخيم الشائعات، لأنها لا تخضع لمعايير التحرير أو المساءلة المهنية التي تلتزم بها المؤسسات الإعلامية.
المشكلة لا تكمن فقط في سرعة انتشار المعلومة، بل في أثرها. صورة غير دقيقة أو معلومة غير مؤكدة قد تخلق حالة من القلق العام، وقد تُستغل لتغذية روايات مضللة تخدم أطرافًا مختلفة في الصراع الإعلامي. ولهذا أصبحت التغطية الإعلامية في زمن الأزمات مسؤولية مضاعفة، لأن الخطأ هنا لا يبقى في حدود خبر غير دقيق، بل قد يتحول إلى جزء من معركة المعلومات.
التاريخ الحديث يقدم أمثلة عديدة على قوة الصورة المضللة. خلال الحرب في أوكرانيا، انتشرت على نطاق واسع مقاطع قديمة لألعاب فيديو عسكرية على أنها مشاهد حقيقية من المعارك. وفي أكثر من أزمة دولية تداولت منصات التواصل صورًا قديمة لكوارث أو حرائق ونُسبت إلى أحداث جارية. هذه الأمثلة تكشف كيف يمكن للمعلومة غير الدقيقة أن تتحول بسرعة إلى «حقيقة رقمية» إذا لم يتم التحقق منها.
في هذا السياق، يصبح الإعلام المهني خط الدفاع الأول ضد الفوضى المعلوماتية. فالمؤسسات الإعلامية التي تلتزم بالتحقق متعدد المصادر، وتفحص الصور ومقاطع الفيديو قبل نشرها، تحافظ على ثقة الجمهور حتى في أكثر اللحظات توترًا. الدراسات في الاتصال أثناء الأزمات تشير إلى أن الثقة الإعلامية ترتفع عندما يقدّم الصحفيون معلومات موثقة وسياقًا واضحًا، لا مجرد أخبار عاجلة.
لكن مسؤولية حماية الحقيقة لا تقع على المؤسسات الإعلامية وحدها، بل تحتاج إلى ما يمكن وصفه بميثاق إعلامي للتعامل مع الأخبار في زمن الأزمات. هذا الميثاق يقوم على مجموعة من المبادئ المهنية الواضحة.
أول هذه المبادئ هو التحقق من المصدر. الأخبار التي تصدر عن حسابات مجهولة أو غير موثقة يجب التعامل معها بحذر شديد، خصوصًا إذا كانت مرتبطة بأحداث أمنية أو سياسية، يليها التحقق من الصور ومقاطع الفيديو. كثير من المواد المتداولة في الأزمات تكون قديمة أو مأخوذة من أحداث أخرى. استخدام أدوات التحقق الرقمي مثل البحث العكسي للصور أصبح جزءًا أساسيًا من العمل الصحفي المعاصر.
وعلينا التمييز بين الخبر والتحليل. في زمن الأزمات تختلط التفسيرات بالوقائع، ويصبح من الضروري الفصل بين ما حدث فعلًا وما يُقال عنه، والحرص على تجنب العناوين المبالغ فيها التي قد تضخم الحدث أو تثير الذعر. الإعلام المسؤول لا يكتفي بنقل الخبر، بل يضعه في سياقه الصحيح.
والأهم أن سرعة النشر لا تعني دقة الخبر. في الأزمات، الخبر الصحيح المتأخر قليلًا أفضل من خبر خاطئ ينتشر بسرعة.
الحروب الحديثة لم تعد تُخاض بالسلاح فقط، بل بالمعلومة أيضًا. وبين ضجيج المنصات الرقمية وكثرة الحسابات المجهولة، تبقى المهنية الإعلامية هي الفارق بين نقل الحقيقة.. والمساهمة في تضليلها.
في زمن الحرب، قد تكون الكلمة أقل صخبًا من السلاح، لكنها أكثر قدرة على تشكيل الوعي، والخبر في زمن الأزمات ليس مجرد معلومة، بل مسؤولية.