د. إبراهيم بن جلال فضلون
«من أراد السلم، فعليه بالاستعداد للحرب»؛ هذه الحكمة الفرعونية الخالدة، لم تعد مجرد مقولة في أروقة السياسة الخليجية، بل تحولت إلى إستراتيجية بقاء. وسط منطقة تقع في قلب عواصف جيوسياسية عالمية، فالسلام لا يُصان بالنوايا الحسنة، بل بالقوة الرادعة، في عالم مضطرب، من لا يستثمر في أمنه، يدفع ثمن إهماله أضعافاً، وقد أثبت العقد الماضي أن «القوة هي الضمانة الوحيدة لاستدامة التنمية»، وهو ما يجسده النهج السعودي برؤيته الحالمة وحكومته التي ترى أن الأمن ليس مجرد غياب للحرب، بل هو القدرة على ردعها قبل وقوعها، والأرقام تتحدث فعلاً، فحجم الإنفاق العسكري الخليجي من (2014-2024) شهد تدفقات مالية عسكرية غير مسبوقة، بأكثر من تريليون دولار إنفاق عسكري لست دول خليجية، وتحديداً نحو 1.26 تريليون دولار، والأجمل أن نرى ريادة سعودية مطلقة كونها القوة المحركة الأساسية لهذا الإنفاق، حيث ضخت نحو 800 مليار دولار خلال العقد الماضي، ما يمثّل 82%من إجمالي إنفاق (السعودية، الكويت، عمان، البحرين) البالغ 970 مليار دولار، بينما بلغت اعتمدت ميزانية الإمارات لعام 2026 المحدثة 92.4 مليار درهم (حوالي 25.2 مليار دولار)، بزيادة قدرها 29% عن عام 2025، مع تخصيص مبالغ ضخمة للاستثمارات الإستراتيجية والدفاعية، أما قطر فشهدت قفزة نوعية في إنفاقها الدفاعي تزامناً مع برامج تحديث شاملة (طائرات رافال، تايفون، وأنظمة باتريوت)، حيث بلغ إنفاقها في آخر إحصائية رسمية معتمدة لعام 2022 نحو 15.4 مليار دولار.
إن قيادة السعودية في الإنفاق الدفاعي لدرس متزن، تُدعم بها هذه الريادة سياسات أمنية صارمة تهدف إلى حماية منشآت الطاقة العالمية والممرات المائية الإستراتيجية، مما جعل المملكة «صمام أمان» للاقتصاد العالمي. ولم يكن الإنفاق السعودي مجرد رد فعل، بل هو جزء من هندسة أمنية إقليمية وعالمية، حيثُ تصنف السعودية باستمرار ضمن أكبر خمس دول إنفاقاً على الدفاع عالمياً، ففي 2024 شكل إنفاقها نحو 7.3%من ناتجها المحلي الإجمالي، وهو ما يتجاوز المتوسط العالمي (2.3%) بثلاثة أضعاف. ومن خلال تحليل الميزانيات نلحظ تباينًا يعكس الحجم الاقتصادي والمهام الجيوسياسية، فقد أنفقت الكويت نحو 80 مليار دولار (8%) وعمان 74.1 مليار دولار (7.6%) خلال العقد، ويعود هذا التفاوت إلى حجم التهديدات المباشرة وسعة الموارد المالية، حيث تضطلع السعودية والإمارات بالدور الأكبر في العمليات العسكرية الخارجية وتأمين الملاحة الدولية.
لقد تحولت المليارات برؤية قيادية إلى قدرات صلبة غيرت موازين القوى، فتضاعفت القوة القتالية من خلال تحديث أسراب القوات الجوية F-15SA وتايفون، وتطوير القوات البرية بأنظمة مدرعة متطورة، لتُصبح القوات المسلحة السعودية اليوم أكثر مرونة وقدرة على إدارة العمليات المعقدة بعيداً عن حدودها. فلم تعد العبرة بضخ الأموال، بل بـ «ذكاء الإنفاق»، بل ساهمت هيئة كفاءة الإنفاق والمشروعات الحكومية في توحيد المشتريات العسكرية وتقليل الهدر، مما أدى إلى تحقيق نتائج عملياتية أكبر بتكلفة أقل بنسبة 15% مقارنة بالعقود السابقة. لذا نجد التنوع في القدرات الدفاعية النوعية، فبالنسبة للدرع الصاروخ، فقد سجلت السعودية أكبر سجل عملياتي ناجح عالمياً باعتراض أكثر من 450 صاروخاً باليستياً و850 طائرة مسيرة، أما السيادة البحرية عبر «مشروع سفن السروات»، عززت المملكة وجودها في البحر الأحمر والخليج العربي لحماية المصالح الإستراتيجية وتأمين الملاحة الدولية.
إن رؤية 2030 تمثِّل حجر الزاوية في تحويل الإنفاق إلى استثمار، فكان التوطين محركًا اقتصاديًا، حيثُ قفزت نسبة توطين الصناعات العسكرية في السعودية لتتجاوز 24.8%بنهاية 2024، مع استهداف 50% بحلول 2030، وهو ما يخلق آلاف الوظائف التقنية ويدعم أكثر من 311 منشأة وطنية، فالجيش القوي هو السياج الذي يحمي حقول البناء؛ وفي ظل عالم مضطرب، سيبقى الاستثمار في الدفاع هو الركيزة الأساسية لضمان أن تظل دول الخليج واحة للاستقرار والنمو الاقتصادي المستدام، حيث القوة هي الضامن الأول للسلام.
وقفة: جملتان تكفيان: «القوة ليست لإشعال الحروب، بل لمنعها».. «الأمن المستدام هو الاستثمار الأعلى عائداً في عالم متقلب». -حفط الله- عروبتنا وأوطاننا وجنودنا وأمننا وسعوديتنا.