د.عبدالله بن موسى الطاير
آراء شكلت لاحقا نقاشات عميقة، واختلف حولها، وجميعها صادرة من الولايات المتحدة الأمريكية. فوكوياما بشّر في مقالته ثم كتابه «نهاية التاريخ»، الذي نشر في العقد الأخير من القرن العشرين بسيادة النموذج السياسي الليبرالي الذي أنهى الجدل والاجتهاد في بديل أفضل من الليبرالية السياسية للبشرية، لكن مواطنه هانتغتون عصف بذلك التفاؤل، بنشر مقالته، فكتابه «صراع الحضارات» مقدما الهويات الحضارية والثقافية والدينية على أنها محركات أخطر للصراعات بعد حقبة الحرب الباردة، لتكتب فيفيان سلامة في عام 2026م، بمقالة في ذا اتلانتك، شهادة وفاة الدبلوماسية. بتلك المقالة المرعبة، لم يعد السؤال هل انتهى التاريخ كما ظنّ فوكوياما؟ ولا هل دخل العالم في صراع حضارات كما تنبأ هانتغتون؟ السؤال الأشد إلحاحا هو: ماذا يبقى من العالم حين تموت الدبلوماسية؟
فوكوياما قرأ لحظة ما بعد الحرب الباردة بوصفها نصرا مؤزرا للنموذج الليبرالي، وكأن البشرية وجدت أخيرا ضالتها في الصيغة السياسية الأقدر على الاستمرار لتمثل ذروة الاجتهاد في بلوغ الحكم الرشيد. ثم جاء هانتغتون ليدفع بأن الهويات الحضارية والثقافية والدينية لم تمت أو تتراجع أمام الزحف الليبرالي، بل ستعود لتكون المحرك الأعمق للصراعات. بين هذين التصورين، تأرجح العالم بين وهم الوحدة التي تقضي بها الليبرالية على جميع المنافسين لها ليعيش الكون سلاما مستداما في رعايتها، وقلق القطيعة التي يبعثها صراع الحضارات. ولأن العالم ما كان له أن يبقى لأكثر من ثلاثة عقود بدون طرح ثالث يعيد صياغة المستقبل على نحو أكثر سوداوية يتمثل في تراجع السياسة نفسها بوصفها فنّ إدارة المصالح والخلافات والتباينات، ونهاية الدبلوماسية بوصفها أداة السياسية الأرقى.
أمريكا التي لا تتوقف مفاجآتها، تقدم للعالم واحدة من أشد المفاجآت تدميرا، وهي موت الدبلوماسية، فحين تُهمش المؤسسات، كوزارة الخارجية، ويستبدل القرار الشخصي الخبرة التراكمية، والعلاقات الخلفية القنوات الرسمية، لا تكون النتيجة مجرد خلل إداري، بسبب غياب الخبرة السياسية، وإنما التأسيس لعالم أكثر اندفاعا، وأقل روية، وأشد قابلية للانفجار. نهج «نهاية الدبلوماسية» يعني أن القرار لم يعد يتخذ عبر المؤسسة، وإنما عن طريق المزاج، وبذلك تُفقد الثقة بالقواعد والانساق القابلة للتنبؤ، وتنصرف أنظار واهتمامات الحلفاء والأصدقاء لمراقبة نزوات اللحظة الانفعالية.
الدبلوماسية ليست مكملا بروتوكوليا، وإنما هي القوة التي تمنع الغضب من أن يتحول إلى حرب، وسوء الفهم من أن ينقلب إلى قطيعة، والاختلاف من أن يتبدل إلى مصير دموي قاتل؛ حين تضعف الدبلوماسية لا يمكن أن يحل السلام بغطرسة الارتجال، فالفراغ الذي يخلفه تهميش الدبلوماسية يغذي الأفكار المتطرفة ويمكنها من استعادة نفوذها. وهنا يصبح هانتغتون أكثر قابلية للاستعمال السياسي منه للفهم الأكاديمي؛ فالحضارات تتحول من توصيف ثقافي إلى معسكرات حشد وتعبئة، وتصبح الهوية سلاحا جاهزا للتصويب، ويزيد ذلك السلاح مضاء دخول عقائد أخروية إلى الميدان السياسي، كما في الصهيونية المسيحية التي ترى الشرق الأوسط لا باعتباره قضية مصالح وحقوق واحتلال وتسوية، بل باعتباره مسرحا لنبوءة لاهوتية كبرى. وهنا تنحرف الدبلوماسية من كونها مجرد إدارة للمصالح إلى تنفيذ التأويلات الدينية التي توجه الأحداث لخدمة نهاية متخيلة. إنه ببساطة عناق أهبل بين «صراع الحضارات» و»نهاية العالم»؛ الأول يمنح الصراع لغة الهوية، والثاني يمنحه قداسة النبوءة، وبينهما تضيع الدبلوماسية، لأنها مؤسسة على فرضية أن البشر قادرون على التفاوض، لا على انتظار المعركة الأخيرة.
بعد نحو أربعة عقود يمكن القول إن نظرية «نهاية التاريخ» قد سقطت إلى حد كبير لأنها بالغت في الثقة بأن الإنسان يكتفي بالمؤسسات والانتخابات والأسواق، فالتاريخ والواقع يؤكدان أن الإنسان يريد إلى جانب ذلك اعترافا ومعنى وانتماء، وحين تعجز الأنظمة السياسية عن تلبية هذه الحاجات، تعود المجتمعات والجماعات إلى الاحتماء بالسرديات الكبرى كالحضارة المهددة، والأمة المختارة، والوعد المنتظر، والعودة الثانية. عالمنا اليوم لا يعيش رفاهية نهاية التاريخ، ولا يتقلب في صراع الحضارات، بل يعيش أزمة تحييد الدبلوماسية عن منع الصراع ليتحول بالتالي إلى مصير محتوم.
حين تموت الدبلوماسية، لا تتراجع اللغة المهذبة بين الدول، والابتسامات المتبادلة أمام الكاميرات فحسب، بل تأخذ في معية أفولها إمكانية التراجع والتصحيح، والنجاة من القرارات التي تتخذ تحت تأثير العقيدة أو الغضب أو الاستعراض. بموت الدبلوماسية أو نهايتها يصبح العالم محكوما بالهويات الجريحة، والخيالات اللاهوتية، والزعامة الفردية. ولهذا فإن أخطر ما في عالمنا اليوم هو تآكل الدبلوماسية، في عالم يفقد بالتدريج آخر أدواته العاقلة، وحين تفقد السياسة عقلها، لا يبقى للتاريخ نهاية، بل بدايات متجددة للصراع والفوضى.