زياد الجارد
شهدت المملكة خلال السنوات الأخيرة تطورًا متسارعًا في بيئة الأعمال، من حيث تحديث الأنظمة، وتسريع الإجراءات، وتعزيز التحول الرقمي، ورفع جاذبية السوق للاستثمارات المحلية والأجنبية. ومع هذا الزخم الإيجابي، تصبح قراءة مؤشرات الاستدامة مثل معدلات بقاء المنشآت مدخلًا مهمًا لفهم المتغيرات وتعزيز كفاءة السوق.
تُظهر إحصاءات ديموغرافية الأعمال لعامي 2023 و2024 أن قطاع الجملة والتجزئة استحوذ على ما يقارب ثلث إجمالي إغلاقات الكيانات التجارية (نحو 33 % في 2023 وقرابة 32 % في 2024)، رغم بقائه النشاط الأكبر من حيث عدد المنشآت النشطة. وفي المقابل، يشهد القطاع ذاته تدفقًا استثماريًا مستمرًا، ما يعكس حيوية اقتصادية وتنافسًا متزايدًا داخله.
ويعكس تزامن ارتفاع معدلات الإغلاق مع استمرار دخول منشآت جديدة إلى القطاع صورة سوق نشطة وعالية الحركة، تتسارع فيها دورات الدخول والخروج. وهذه الحركة تفتح المجال لقراءة أعمق لفهم التحولات التي يشهدها القطاع وعوامل الاستدامة التي تعزز بقاء المنشآت.
المنافسة ليست المشكلة دائمًا، بل هي أساس السوق. غير أن استقرار المنافسة في هذا القطاع يرتبط بترسيخ ثقافة الامتثال والالتزام داخل المنشآت، وبدرجة تقارب مستويات الالتزام بين العاملين فيه، بما يحد من أي تشوهات داخل القطاع، ويجعل التفوق انعكاسًا مباشرًا للكفاءة وجودة الإدارة، لا لعوامل ظرفية قد تؤثر في استدامة المنشآت.
وفي قطاع تنافسي، قد يؤدي أي تفاوت في مستويات الانضباط والامتثال إلى اختلاف ملموس في التكاليف التشغيلية، وهو ما ينعكس بدوره على قدرة بعض المنشآت على الصمود والاستمرار.
وقد يكون من المفيد قراءة أنماط الإغلاق وفق معايير أكثر تفصيلًا، كعمر المنشأة، وهيكل تكلفتها، وحجمها، وطبيعة نشاطها، لفهم ما إذا كانت التحديات ترتبط بمرحلة التأسيس، أو بدورات السوق، أو بالقدرة على التكيف مع المتطلبات التشغيلية والتنظيمية. فمثل هذا التحليل يعزز فهمًا أكبر للقطاع، ويسهم في تطوير السياسات الداعمة لاستدامته.
وخروج منشأة من السوق لا يُعد مجرد رقم في تقرير إحصائي، بل يمثل تحولًا في دورة النشاط داخل القطاع. فالمنشآت تمثل رافدًا مهمًا للحراك الاقتصادي، وتسهم في توسيع قاعدة الإنتاج وخلق فرص العمل. كما أن استدامتها تعزز قدرة القطاع الخاص على القيام بدور أكبر وتحمل جزءًا من المسؤولية الاقتصادية، بما يدعم استقرار السوق ويعزز كفاءته.
قوة السوق لا تُقاس بكثرة البدايات، بل بطول عمر التجارب الناجحة فيها، فكلما ازدادت قدرة المنشآت على الاستمرار، أصبح النمو الاقتصادي أكثر قوة.