د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
الحرب على إيران ليست مجرد ضربة لمنشآت نووية كما يروج لذلك، بل هي زلزال يعيد ترتيب موازين القوى العالمية، واشنطن ترى في تغيير النظام الإيراني فرصة ذهبية لإحلال الشركات الأمريكية الكبرى محل التركة البريطانية القديمة التي عمرها 118 عاما واستباق قدوم الشركات الروسية والصينية.
الحروب الكبرى هي سلة أهداف، ومن بينها تود أمريكا احتكار المنطقة ليصبح الشرق الأوسط ملكية أمريكية خالصة بلا شركاء قدامى، رغم حديث الولايات المتحدة عن وحدة الغرب، لكن هناك شقاق عميق، فبسقوط النظام الإيراني ليس فقط إبعاد روسيا والصين عن إيران، بل أيضا إبعاد النفوذ الأوروبي، وبشكل خاص بريطانيا، وهي حرب تستخدم الولايات المتحدة القوة الخشنة باستخدام صواريخ التوماهوك لفرض واقع جديد، وإن كانت الولايات المتحدة ظنت أن إيران تشبه نموذج فنزويلا رغم أنها وضعت سيناريوهات متعددة، وهو ما حذرت السعودية من سيناريو الحرب بديلا للحلول السلمية عبر المفاوضات.
منطقة الخليج تصدر نحو 20 في المائة من النفط العالمي، ونسبة مماثلة من الغاز، ونحو 67 في المائة من احتياجات آسيا، فكما تتحكم الصين بنحو 80-90 في المائة من المعادن الحرجة، تود كذلك الولايات المتحدة التي نجحت في تحقيق الاكتفاء الذاتي من النفط، أن تتحكم في مصادر تصدير النفط بحكم أن الصين ما زالت أكبر مستورد للنفط تجاوزت وارداتها 11.6 مليون برميل يوميا في 2025 لتأمين احتياجاتها أكثر من 70 في المائة من استهلاكها، تصدرت السعودية إمدادات النفط الخليجي للصين بنحو 1.84 مليون برميل يوميا في نوفمبر 2025 بنسبة 8.4 في المائة، إضافة إلى اعتمادها على النفط الإيراني وبشكل خاص الرخيص مستغلة العقوبات على إيران.
تحتاط الصين بتخزين نحو 900 مليون برميل تعادل ثلاثة أشهر من الواردات، ومن المتوقع أن يستمر هذا التكديس في 2026 وسط مخاوف من اضطرابات الإمدادات بزيادة سعة التخزين بـ169 مليون برميل.
تصاعد التوتر في منطقة الخليج بين إيران وأمريكا وإسرائيل في إلحاق أضرار بناقلات النفط، وهناك توقف أكثر من 200 سفينة قرب المضيق، يعطل تدفق النفط إلى دول عدة أهمها دول آسيوية خصوصا بعدما صرح الرئيس ترمب أن الهجوم العسكري الأمريكي - الإسرائيلي قد يستمر أسابيع، مما يعني اضطرابا طويلا في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ممر مائي ضيق بين إيران وعمان يربط الخليج ببحر العرب، تحمل السفن نفطا من السعودية والإمارات والعراق وإيران والكويت، فشركات الشحن الكبرى أوقفت عبور مضيق هرمز وسط مخاوف متزايدة في شان السلامة.
منذ الحرب العراقية الإيرانية أنشأت السعودية خط أنابيب بقيق ينبع على البحر الأحمر بترولاين العملاق لنقل النفط من الشرق إلى الغرب بطول 1200 كلم، كما بنت خط انابيب IPSA عبر أراضيها لنقل النفط العراقي من الزبير في العراق إلى خريص 1986 ثم إلى ينبع انتهى بناء الخط عام 1990 بطاقة 1.6 مليون برميل يوميا، توقف بعد غزو صدام للكويت، في خطوات إستراتيجية لتأمين صادرات النفط بعيدا عن مضيق هرمز، ومواجهة مخاطر الحرب، وينقل بترولاين نحو خمسة ملايين برميل يوميا يمكن أن ينقل أكثر من ذلك في وقت الأزمات إلى سبعة ملايين برميل يوميا، وللسعودية تجارب سابقة لضخ النفط للدول الأوروبية عبر خط التابلاين بطول 1648 كلم إلى صيدا بلبنان، بدأ تشغيله في عام 1951، تراجع دور الخط بعد ظهور الناقلات العملاقة ليتوقف عام 2001.
هناك بدائل إستراتيجية لتجاوز مضيقي هرمز وباب المندب ومخاطرهما الجيوسياسية، كذلك العراق يبحث عن بدائل لمضيق هرمز وتصدير النفط عبر ميناء جيهان بتركيا عبر خط كركوك جيهان المتوقف منذ 2023 بسبب نزاعات سياسية، بتبني مشروع إستراتيجي لإنشاء خط أنابيب يربط حقول البصرة العملاقة بميناء الدقم العماني المطل على بحر العرب، ويمر الخط عبر الكويت والسعودية.
كذلك لدى السعودية خيارات أوسع تعزز من أمن إمدادات النفط، ويمنح الدول النفطية مرونة أكبر في مواجهة أي اضطرابات بحرية أو سياسية في الخليج والبحر الأحمر، خصوصا وأن النفط سيبقى يشكل ما بين 25 و30 في المائة من مزيج الطاقة العالمي حتى 2050، وهذا يعني أن الاستثمارات في بنية تحتية جديدة لا تزال ذات جدوى لعقود مقبلة، وهو استثمار في أمن الطاقة، وإعادة رسم مسارات نفط بعيدا عن النقاط الساخنة التقليدية، كما تسهم هذه المشاريع في صياغة منظومة إقليمية أكثر مرونة وأكثر استقرارا في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية من حيث أمن الطاقة.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقا