منصور بن صالح العُمري
لم تكن الأوقاف في الحضارة الإسلامية عملاً خيرياً عابراً، بل كانت أحد أعمدة البناء الاجتماعي والاقتصادي والدعوي عبر القرون. فقد أدرك المسلمون منذ الصدر الأول أن المال إذا جُعل في خدمة المقاصد العظمى للشريعة أصبح أداةً لبناء الإنسان والعمران معاً، وأن العطاء الذي يتحول إلى أصلٍ باقٍ أرسخ أثراً من نفقةٍ تنقضي بانقضاء يومها أو رصيدها. ومن هنا نشأ نظام الوقف بوصفه صورةً عملية لمعنى قوله تعالى: (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ).
وقد تأسس هذا المعنى مبكراً في المجتمع الإسلامي؛ فحين ضاقت موارد الماء في المدينة، اشترى الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضي الله عنه- بئر رومة وجعلها وقفاً للمسلمين، فصار الماء يجري في الأرض، ويجري الأجر في صحيفته ما جرى الماء في مجراه. ثم تطور عبر القرون ليصبح من أعظم الأوقاف في التاريخ. وهكذا ترسخ في الوعي الإسلامي أن الوقف ليس إنفاقاً ينتهي، بل أصلٌ يُحبس ونفعٌ يتجدد.
ومع امتداد الدولة الإسلامية اتسعت دائرة الأوقاف حتى غدت منظومة حضارية متكاملة. فقد قامت بها المدارس والجامعات، وأُنشئت بها المستشفيات التي تعالج المرضى مجاناً، وأقيمت الخانات لخدمة المسافرين، والمطابخ لإطعام الفقراء، كما وُجدت أوقاف لرعاية الأيتام والعاجزين. وقد عرفت مدنٌ كالقاهرة ودمشق وإسطنبول شبكات وقفية واسعة كانت تدير موارد زراعية وتجارية تموّل تلك الخدمات باستمرار، في تجلٍّ عملي لقوله تعالى: (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ).
ومن أبرز المؤسسات التي ازدهرت بفضل الأوقاف مؤسسة الجامع الأزهر أسهمت أوقافه عبر قرون طويلة في تمويل التعليم وإقامة الطلبة وإعاشتهم، مما مكّنه من أداء رسالته العلمية في العالم الإسلامي دون انقطاع. وقد كشف هذا النموذج عن حقيقة جوهرية: أن الوقف حين يُدار برؤية بعيدة يتحول إلى مؤسسة تنموية مستدامة لا إلى صدقة محدودة الأثر.
وفي العصر الحديث برزت نماذج معاصرة أعادت إحياء هذا الإرث بروح مؤسسية حديثة، ومن أبرزها ما أسسه رجل البر والإحسان الوجيه سليمان بن عبدالعزيز الراجحي -حفظه الله-، حين حوّل جانباً كبيراً من ثروته إلى وقف خيري يُعد من أكبر الأوقاف المعاصرة في العالم الإسلامي. وقد قامت فكرته على استثمار الأصول وإدارة مواردها بآليات اقتصادية حديثة، ثم توجيه عوائدها إلى مجالات التعليم والعمل الاجتماعي والدعوي، في صورة تجمع بين روح الوقف التاريخية وأدوات الإدارة المعاصرة. غير أن الوقف -بطبيعته- مشروع متجدد؛ فكلما تغيرت حاجات المجتمع اتسعت المجالات التي يمكن أن يخدمها. ومن أبرز تلك المجالات اليوم الإصلاح الأسري والاستقرار المجتمعي. فالأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وقد جعل الله تعالى السكن والمودة والرحمة أساسها بقوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً).
غير أن التحولات الاجتماعية المتسارعة أفرزت تحديات تهدد استقرار كثير من الأسر، مما يجعل إنشاء مراكز وقفية متخصصة في الإصلاح الأسري من المبادرات ذات الأثر العميق. ويمكن لهذه المراكز أن تعنى بتأهيل المقبلين على الزواج، والإصلاح بين الأزواج قبل تفاقم النزاعات، وتقديم الإرشاد التربوي والنفسي للأسر، بما يحفظ كيان العائلة ويقي المجتمع كثيراً من آثار التفكك.
ومن المسارات الواعدة كذلك إطلاق مشاريع وقفية عالمية للترجمة والنشر المعرفي، تهدف إلى نقل الكتب الإسلامية الرصينة إلى لغات العالم، وتقديم المعرفة الشرعية والثقافية في صورة علمية رفيعة عبر منصات رقمية حديثة، بحيث يصبح الوقف جسراً حضارياً يصل رسالة الإسلام إلى آفاق أوسع.
كما يبرز مجال الوقف الوقائي للصحة النفسية والاجتماعية، وهو مجال يتزايد حضوره في المجتمعات المعاصرة. فدعم مراكز الإرشاد النفسي وبرامج الوقاية السلوكية للشباب يمكن أن يسهم في معالجة كثير من المشكلات قبل استفحالها، ويعزز التوازن النفسي والاجتماعي في المجتمع. وماذا لو اتفقت إدارة هذا الوقف المبارك مع وزارة التنمية الاجتماعية لتولي إدارة دور الملاحظة الاجتماعية ولو بالتدريج واحدةً تلو الأخرى. فمثل هذه المؤسسات الإصلاحية جديرة بأن تحظى باهتمام كبريات الأوقاف.
ومن المبادرات ذات الأثر الاستراتيجي إنشاء مركز عالمي لتطوير الأوقاف يُعنى بدراسة التجارب الوقفية، وتأهيل النُّظّار، وتطوير النماذج الاستثمارية للأوقاف، ودعم المبادرات الوقفية الناشئة في العالم الإسلامي، ليكون الوقف أداة تنموية متجددة تستجيب لمتغيرات العصر.
إن جوهر الوقف يتجلى في أنه يربط بين الدنيا والآخرة؛ فهو استثمار اقتصادي في الدنيا لأموال ستتركها خلفك يوماً ما، ورصيد متجدد في الآخرة. وقد صوّر القرآن هذا المعنى في أجمل صورة حين شبّه النفقة في سبيل الله بالبذرة التي تتضاعف ثمارها: (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ).
وهكذا يبقى الوقف أحد أعظم تجليات البصيرة الاقتصادية في الإسلام؛ إذ يتحول المال من ملكية فردية محدودة إلى منفعة عامة مستدامة، ومن لحظة عطاء عابرة إلى أثرٍ يمتد عبر الأجيال. والموفق حقاً من قدم لنفسه ما يجري الحسنات لصحيفته مستشعراً قوله تعالى (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ).
يرحل الموقف وقد سبقته ذنوب لا يسلم منها أحد منا ، فتلحق به حسنات وقفه وما تزال تبيض صحيفته حتى لا يغدو بها سوى ما يسره، فالمال إذا أُنفِق انتهى أثره، أما إذا وُقِف فقد بدأ استثماره الأعظم.