عبدالعزيز صالح الصالح
يعيش المسلمون قاطبة هذه الأيَّام والليالي المباركة بسعادة غامرة تتحلى بالسباق في أبواب الخير من صلاة، وقيام، وصدقه، وزكاة، وتلاوة كتابه الله ودعاء وبر وإحسان وصلة، فهي مناسبة طيِّبة للقيام بهذه الأعمال المباركة مع نعمة الهداية الإلهية.. ونعمة تصحيح مسار حياة الإنسان في هذا الكون بعد أن اضطربت وانحرفت وأشقته.
فقد سن نبي الأمَّة مُحمَّد بن عبدالله - صلوات الله وسلامه عليه لأمته قيام ليالي شهر رمضان المبارك وإحياءها بالصلاة وتلاوة القرآن وخاصَّة ليلة خير من ألف شهر، فهي ليلة القدر التي قال الله عنها:- {إنا انزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر، تنزل الملائكة والرُّوح فيها بإذن ربهم من كل أمر، سلام هي حتى مطلع الفجر} سُورة القدر - فقد قال الشاعر الحكيم:
فيها من الأحلام.. أحلى ليلة
للصائمين القائمين.. الركع
هي ليلة تعلو.. بقدر المؤمنين
الراكعين، الساجدين، الخشع
هي نفحة، هي منة الرحمن
تشرق بالمنى، نزهو بأكرم منبع
رمضان يا باب السَّماء، لطارق
يرتاح من وصيب بقلب خاشع
فهذه الليلة المباركة حازت على هذا الشرف العظيم بسبب نزول كتاب الله الكريم فيها، فقد حدث في هذه الليلة المباركة أمر عظيم هز كيان البشريَّة، وبعثها من جمودها وفتح أعينها على نور الحق المبين، وهداها إلى صراط المستقيم، فحق لهذه الليلة الفضيلة أن تفخر على غيرها من الليالي، بما اشتملت عليه من خير وبركة - فقد قال الشاعر الحكيم هذه الأبيات الجميلة:
ربي رجوتك في الدُنا ترعاني
أنت القريب لمهجتي وجناني
أنت المجيب على الدوام حوائجي
فعطاؤك الموصول ليس بفان
أنت الَّذي أجد النعيم بذكره
فأسيرُ في هدي من القرآن
حمداً لفضلك ما حييتُ فإنني
للبيتِ أسعى طائع الوجدان
إني أتيتك راجياً بل ساجداً
في لهفةِ وتضرع وأمان
لك لا لغيرك دعوتي وتضرعي
يا من على عرش البقاء تراني
هب لي الحبَّة والسَّلامة والتقى
واجعل صلاتي في السما تلقاني
حيث إن الليلة التي ينشط فيها المسلمون لالتماسها رغبة فيما أعد الله لمن صادفها من الغفران والأجر والرحمة، ومن أجل ذلك كان نبيِّ الرحمة مُحمَّد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك إلى أن فارق الحياة وأمر الأمة الإسلاميَّة قاطبة بتحريها والتماسها في الوتر من العشر الأواخر. فقد قال الشاعر الكريم:
إن الحياة رواية.. وفصولها
عمَّا قريب تنتهي.. فتزوَّد
والزاد -خير الزاد- تقوى عابد
نبذ المحارم.. للنعم السرمدي
مهما جمعتَ من الزخارف.. جاهداً
لا شيء يبقَى.. غيرُ عَوْدَ أحمدِ
إن الطمأنينة هي حلم الإنسان في هذا الكون. وليس هناك دواء - في هذه الدنيا يجلب الطمأنينة، وراحة البال في هذه الدنيا سوى الإيمان. فإن هذا الشهر العظيم فرصة كبيرة لمراجعة النفس البشريَّة وتدقيق الحساب ومعرفة الربح والخسارة خلال الفترة الماضية؛ فالمرء الذي يحاسب نفسه على مدار الأيام والشهور والسِّنين فهو إنسان محظوظ، لأنه يسير على الطريق الصحيح. والله الموفِّقُ والمعين.