فائز بن سلمان الحمدي
نحن في رمضان؛ شهرٍ تتطهّر فيه الأرواح كما تتطهّر الأبدان، وتسمو فيه القلوب فوق ضجيج الأرض إلى سكينة السماء. وبينما تتزاحم العناوين خارج حدود الطمأنينة، وتتلاحق التصريحات، وتشتدّ نبرة التحليلات، يبقى في داخل هذه الأوطان عالمٌ آخر لا تدركه العواصف؛ عالمٌ تُتلى فيه الآيات، وتُقام فيه الصلوات، وتُرفع فيه الأكفّ في الأسحار يقينًا بأن تدبير الله فوق كل تدبير.
لقد علّمتنا الصحراء أن الريح مهما علت لا تقتلع الجذور العميقة، وعلّمنا البحر أن الموج مهما ارتفع يعود إلى سكونه، وعلّمتنا التجارب أن السياسة تتبدّل، لكن الشعوب الراسخة لا تتبدّل معها. ولسنا على هامش العالم حتى تعبر بنا الأحداث مرور العابرين؛ بل نحن في قلب معادلاته الكبرى، حيث تتقاطع خطوط الطاقة بالممرات البحرية، وتلتقي التجارة بالأمن، وتتشابك حسابات الإقليم باقتصاد العالم.
ومن كان في مركز الثقل أدرك أن كل خطوةٍ تُحسب، وكل قرارٍ يُوزن بميزانٍ أدقّ من الانفعال، وأن الدول لا تُدار بردود الأفعال، بل بالبصيرة وحسن التقدير، غير أن القوة الحقيقية لا تُقاس بما في البحار من أساطيل، ولا بما في المخازن من عتاد، بل بما في الداخل من تماسك. فالجبهة الواعية أصلب من كل سلاح، والثقة المتبادلة بين الشعب وقيادته درعٌ لا يُرى لكنه يحمي الأوطان من التصدّع. والالتفاف حول القيادة وولي الأمر ليس شعارًا يُرفع ساعة التوتر، بل وعيٌ استراتيجيٌّ عميق، لأن القيادة تنظر بعين الدولة لا بعين اللحظة، وتقرأ المآلات قبل أن تستجيب لضغط الساعة، وتزن المصالح بميزان التاريخ لا بميزان العاطفة.
الخليج اليوم ليس كما كان بالأمس؛ خبرته في إدارة الأزمات تراكمت، ومؤسساته نضجت، وأطره التنظيمية اشتدت، ورؤاه التنموية تحوّلت من شعاراتٍ تُردّد إلى مشاريع تُنفّذ، ومن خططٍ تُعلن إلى واقعٍ يُدار بعقلٍ هادئ ونفسٍ طويل. لذلك فإن التقلبات مهما اشتدت لا تربك المسار، ولا تفقد الاتجاه، بل تُدار ضمن حسابات دقيقة، وتُستوعب في إطار خططٍ بعيدة المدى. الاستقرار هنا ليس صدفةً تاريخية، بل ثمرة هندسةٍ واعية، وبناءٍ صبورٍ ممتد.
وفي زمنٍ تتسابق فيه الشائعة مع الحقيقة، تصبح الكلمة مسؤولية، ويغدو التثبّت أمانة، ويتحوّل الوعي إلى خط دفاعٍ أول عن أمن الوطن. فكم من إشاعةٍ أزعجت بيوتًا قبل أن يتغير على الأرض شيء، وكم من تهويلٍ أربك نفوسًا قبل أن تتحرك المؤشرات.
إن الحرب إن وقعت لا تُخاض بالسلاح وحده، بل بالرواية أيضًا، والمجتمع الذي يحرس وعيه يحرس استقراره. ونحن في رمضان نتعلّم أن ضبط النفس مقدّمة لضبط الموقف، وأن الطمأنينة ليست غفلةً عن الواقع، بل رؤيةٌ له في حجمه الصحيح دون أن نسمح له أن يكبر في صدورنا حتى يبتلعها. نصوم فنتمرّن على الصبر، ونقوم فنستمدّ قوةً من السماء، وندعو فنجدّد يقيننا بأن فوق كل قوةٍ قوة، وفوق كل تدبيرٍ تدبير. الإيمان ليس انسحابًا من العالم، بل مصدر اتزانٍ يجعل المجتمع ثابتًا حين تميل الكفّة.
قد تتبدّل الاصطفافات، وقد ترتفع حدّة الخطاب، وقد تطول لحظات التوتر، لكن التجربة الإنسانية تخبرنا أن التصعيد مهما طال يعود إلى طاولة العقل، لأن كلفة النار تُنهك الجميع، ولأن الاستقرار ليس ترفًا سياسيًا، بل شرط بقاءٍ وازدهار. والمنطقة التي دفعت أثمانًا باهظة عبر عقود تدرك أن السلام ليس ضعفًا، بل قوةٌ تعرف متى تصبر، ومتى تحمي مصالحها، ومتى تفتح نافذة الحكمة دون أن تفرّط في ثوابتها. يا أهل الخليج…في وحدتكم حصن، وفي ثقتكم سند، وفي إيمانكم سكينة. هذه الأرض التي يعلو فيها الأذان كل يوم، وتُقام فيها التراويح كل ليلة، وتُرفع فيها أكفّ الدعاء في الأسحار، ليست أرضًا تُترك للفزع، ولا وطنًا تهزّه موجة عابرة. الاستقرار الذي بُني بالحكمة لا ينهار أمام ضجيج، والوطن الذي تعانقت فيه القيادة والشعب لا تفرّقه شائعة.
ستمرّ هذه المرحلة كما مرّت غيرها، وسيبقى الخليج بإذن الله ثابتًا بحكمته، متماسكًا بوحدته، مطمئنًا بإيمانه، راسخًا في توازنه.
لأن الأوطان لا تهزّها الرياح… إذا كانت جذورها في السماء.