فضة حامد العنزي
الطراوة الزائدة ليست مطلبًا، لكن الأكيد مطلوب اللين في التعامل أكثر.. مربوطًا ذلك بالحزم في مواضع الحزم دون الإضرار بالآخر: شريكًا كان، أو حبيبًا، أو صديقًا، أو قريبًا، أو كبيرًا، أو حتى صغيرًا.
للتعامل مع المشكلات بشكل عام خمسة أسس قابلة للزيادة تمتاز بالأفضلية، أولًا: الفهم الصحيح لها. ثانيًا: ألا تخلو نفسك من الرحمة حيالها. ثالثًا: حسن التصرف عندئذ. رابعًا: حفظ الجميل. خامسًا: صون العهد.
كثر في واقعنا اليوم وقوع الطلاق بشكل مخيف وكبير، ويمكن الحد من ذلك بعدة أمور يجب أن تُولى اهتمامًا كبيرًا، من ضمنها أولًا: بالوعي الذاتي الصحيح. ثانيًا: بتقبل التوعية الصحيحة من الآخرين. وثالثًا: بالحكمة في كل شؤونك. رابعًا: بالصبر. خامسًا: بالتروي. سادسًا: بحسن الظن. وسابعًا: الوفاء بالعهد والميثاق. وثامنًا: بصون العلاقة من الزلل والخطأ والمشكلات والمهاترات في سير الحياة الزوجية؛ لتكون ناجحة.
إن الطلاق في حالات يكون سبيلًا للراحة من عذاب مؤذٍ، وفرجًا من هم مثقل، وتكون هي المرأة من سعت إليه، أو سعى الزوج له مع انتفاء الكمالات في الشريك، أو غياب المحاسن الغالبة فيه.
فإذا كان الطريق أمام المرأة مسدودًا، والرجاء مفقودًا، والصبر طويلًا، والوجع عميقًا، والحزن كبيرًا، والضرر عظيمًا، والشخص ليس كفؤًا لعلة فيه.. حينئذ يكون قرارها بالانفصال أكثر صوابًا! خاصة إذ لم يُجْدِ الصبر معه، ولم تنفع الحلول معه إلا من رحم ربي. فأحيانًا قد يظلم الرجل المرأة بالطلاق وهي التي كانت أكمل منه وأجمل، ولا عيوب فيها قوية، أو جلية أو كثيرة، سوى أسباب واهية وترف رجل لا يُقدّر الحياة الزوجية بل كاذب في أقواله، متناقض، عجل في قراراته، أو يكون الزوج مهملًا في تعطير نفسه ونظافته، أو بخيلًا في جيبه، أو زائغًا في عينه، أو شره في بطنه، أو مقصرًا في صلاته، أو كثيرًا في هفواته، أو خائن العشرة، أو نارًا في غضبه، أو ظالمًا.. أو، أو.. عندئذ كانت خيرة الله أن الله قاده لطلاقها.
ولا يعني ما تفعله المرأة بطلب الطلاق دائمًا دلالة على كمال المرأة ورجاحة عقلها وصوابه؛ ففي حالات قد تخطئ، قد تظلم الرجل بقرار الانفصال عنه وتكون ذات عيوب؛ إما تكون لا يُتّكل عليها، أو لا تقدّر معدن الرجال، أو تستهويها المناظر الزائفة أو الأضواء البراقة، أو لا تكون صبورة على مشكلات الحياة حتى لو كانت بسيطة، أو لا تحب سريان الأحداث الزوجية المعتادة أو تشعبها، أو تتحاشى شعور المسؤولية، أو في دينها هشاشة، أو في قلبها ركاكة، أو في عقلها خفة.
كذلك الرجل قد يلجأ لقرار الطلاق كأن تكون المرأة لا تشابهه، ولا تحاول فهمه، ولا تلتمس عذره، ولا تنظف هندامه وبيته، ولا تعتني بأولاده، وعنايتها لنفسها غير جيدة، أو لا تلبي نداءه، ولا تسمع لنصائحه ولا تلقي لها بالًا بمعنى أدق! حينئذ سيكون الطلاق منها محتملًا خاصة إذا كانت سيئة العشرة، ومتعبة له أكثر من تلمّس راحته وصفاء ذهنه! وإن لم تقبل التغير الإيجابي في حياته، ولم تكن معينًا له، بل عونًا عليه، ولم يكن خيرها له، بل لغيره من دونه! ولم تكن نبراسًا لتربية أبنائه، بل معول هدم بسلوكها الخاطئ من حيث لا تدري أو تدرك ذلك!
قال تعالى: (وَعاشِروهُنَّ بِالمَعروفِ فَإِن كَرِهتُموهُنَّ فَعَسى أَن تَكرَهوا شَيئًا وَيَجعَلَ اللَّهُ فيهِ خَيرًا كَثيرًا) [النساء: 19].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يَفْرَكْ مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر»، أَوْ قالَ: «غَيْرَهُ». أخرجه مسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإن المرأة خُلِقَت من ضِلَع، وإن أعوجَ شيءٍ في الضِّلَع أعلاه؛ فإن ذهبت تُقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج؛ فاسْتوصُوا بالنِّساءِ خيرًا». أخرجه البخاري ومسلم.
حقيقة قد تتعجل أنت بالقرار لمشكلة ما، قد تجري أنت دموع أحد ظلمًا على غير بينة، قد تقهر يتيمًا، قد تعبس في وجه إنسان لم يخطئ تجاهك، قد ترد سائلًا مستحق وأنت قادر ومنغمس في نعم الله، قد تعمل أعمالًا لا تجدي نفعًا حقيقيًا، قد تخطئ على أحد ما.. قد لا تحكم بشكل صحيح، قد لا تفهم الموضوع من كل زواياه، وقد لا تلم بالحقيقة كما هي الحقيقة، قد يأخذك الشك، أو الوهم، أو الغيرة المرضية، أو العنف لأمور لا تحمد عقباها؛ لذا حكم عقلك وزن قلبك، وحرك حواسك، واعمل فيما يرضي الله أولًا، وهكذا دواليك في كل أمورك؛ حيث تبدأ صلابتك من نشأتك، وسقيا مياهك، وحسن تربيتك، وجميل أخلاقك، وسلامة تفكيرك، ونقاء قلبك وروعة أسلوبك؛ فكن ممن لا يكسر بسهولة.. وإن كسرت سيجبرك الله متى كنت قريبًا منه، وطائعًا له، ومخلصًا تقيًّا.. قوتك في دينك.. وزادك من فهم تعاليمك الدنيوية والأخروية. وحلولك في فهم نفسك وفهم طبائعك وغرائزك السوية، وفهم الإنسان الذي تقابله، كما يتوجب عليك معرفة أطواق نجاتك، وهي: التوحيد الخالص وعقيدتك المتينة والإخلاص. أسلحتك: العلم الطيب، الوعي المبصر، والعمل فيما يرضي الله.
قاعدتك الأولى: لا ضرر ولا ضرار. وقاعدتك الثانية: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. وقاعدتك الثالثة: وخالق الناس بخلق حسن. هدفك الأسمى مرضاة الله، وتتبع مرضاته في كل أمر وجانب. لا تهمل صوت ضميرك الحي الشريف حين ينهاك عما يغضب الله، ويدعوك للخير فيما يرضي الله عنك دنيا ودينًا، وآخرة بعد عمر طويل.
ولتكن أركانك قوية.. قوي الإيمان لا تهزك المصائب، أو تضعفك الابتلاءات، أو تصدمك الأحداث، أو تحزنك سفاسف الأمور، أو تهزك المواقف، بل تقويك وتعلمك؛ فكن قويًا.. قوي المواجهة، قوي الإرادة، قوي التحمل والصلابة، قوي التغيير للأفضل، قوي الاحتساب فيما عند الله من الأجر والثواب.
لا نريد جيلًا هشًّا تعرقله أي مشكلة بسيطة، وأهمها حدوث الطلاق من كلا الجانبين سواء من الرجل أو من المرأة أو منهما معًا، وفي كل من الطرفين يستحسن الصبر، والتحمل دون ضرر، وكد كل منهما للآخر! مع تحمل بعض الهفوات، وتجاهل الزلل غير المقصود، وليس المستمر والمهلك، أو المؤدي للآلام بالغة الأثر! فمن الجميل في الحياة تلمس العذر، وتجاوز الخطأ، وغض الطرف عن الشريك حال مروره بظروف تغير من سلوكياته المعتادة، أو تشوب طبائعه الجميلة في حال إرهاق عمل، أو ضغط نفسي لمروره بظروف طارئة، أو صدمات موجعة، أو عصبية أخرجته عن طوره تلك التي لا تلغي طيبته، أو تتسبب في أذية غيره لحد كبير.
نعم.. لا نريد جيلًا هشًّا، بل نريد جيلًا رشًّا ريًّا كالمطر، قويًّا كالأسد، طاهرًا كزمزم، نقيًّا كالمخموم، عاليًا كالنجم، لامعًا كالسناء، جميلًا كالقمر، متواضعًا كغصن مائل راكعًا لله محملًا بالثمار.
ولتعلموا جيدًا أن الطلاق إن كان بمثابة كسرٍ للمرأة؛ فهو بكل تأكيد ليس بترًا لها ولحياتها؛ فالمرأة عند التجربة القاسية، أو الطلاق، تصبح لها أجنحة قوية قادرة على التحليق لأعالي القمم إن أرادت ذلك! تصبر وتكافح في الحياة حتى وإن قصقصت أطراف أجنحتها أو كسرت، إلا أنها ستنمو وستجبر وتعود للحياة - بإذن الله - وتحلق بكل عزة، وبأجنحة أقوى في سماء الأمل! فيا أيها الرجال «رفقًا بالقوارير».. اجعلوهن يحلقن بكل الحب، والود في بيوتكم المطمئنة الرحبة.. ويجملن أذهانكم ويرسمن خيالاتكم.. لعل الله يجعل العافية لباسكم، والإنصاف ديدنكم، والتوفيق حليفكم، والإحسان تعاملكم، والتعاون مبدأكم.. ليعمكم السلام، وتمطركم السعادة.. ولتعيشوا في الخيرات، والبشارات تحفكم بإذن الله.
وهاأنذا هنا أربت على كتفيك أيتها المطلقة وأقول لك وكلي إحساس بك: إن الطلاق لا يعني أن تغلقي مباهجك، أو أن تؤجلي أعمالك، أو أن تلغي نشاطاتك، أو أن تهملي اهتماماتك.. ولا يعني أن تقطبي حاجبي عينيك الجميلتين.. ولا يعني أن تركني الكحل مرميًا، وأحمر الشفاه جانبًا وأساورك مهملة.. ولا يعني أن تحزني حزنًا يتعبك، ويبكيك بحرقة وفوق طاقتك، ويضر بصحتك.. ولا يعني أن تحرمي نفسك ومن حولك من ابتسامتك اللطيفة ومن كلامك الطيب.. ولا يعني أن حياتك انتهت، وبابك أغلق، وسماءك ملبدة بالدخان، وآمالك غابت، وساعديك ضعفت لا لا.. ولا يعني أن لا تلتفتي لأولادك.. ولا يعني أن تتركيهم وتهمليهم؛ فهم يرون الوجع في عينيك والدموع لا تفارقك، والكلام لا يسعك؛ فيشعرون بذلك ويؤلمهم حقًا.. لا يعني الطلاق ذلك كله وأكثر، بل إن الطلاق هو مرحلة من مراحل تجاوزتها بجدارة، وصفحات طويتِها باتزان، أو مزقتِها لشدة وجعها، سواء حفظتِ الفضل، أو أنك استفدتِ من تجربتك معه دروسًا.. عمومًا كل ما يحصل سلبًا بعد الطلاق يشكل ضغطًا كبيرًا على الأولاد؛ فعلينا كأمهات أن لا نتعبهم أكثر، بل نحمل عنهم آلامهم ونرميها.. ونسحب أوجاعهم وندفعهم للراحة.. ونداوي مريضهم ونرأف بقلوبهم ونمسح دموعهم.. ونوقظهم للإفطار صباحًا ولمدارسهم أو لمشاغلهم.. إلى أن نغطيهم بلحافهم حين نومهم.. وكما هو المعتاد كأمهات نطمئن عليهم كل حين.. وعلينا أن نفهمهم ونوعيهم ونربيهم التربية الطيبة الصالحة، ونساندهم دائمًا. والسلام.