سمر المقرن
في عالم السينما، لا تعيش الأفلام فقط على الشاشة، بل تعيش أيضًا في ذاكرة من صنعوها. في كواليس التجارب، في الحكايات التي تُروى بين لقطة وأخرى، وفي تلك اللحظات الإنسانية التي لا تظهر في الفيلم لكنها تبقى جزءًا من روحه.
ولهذا تبدو مبادرة «التاريخ الشفهي للشاشة العربية» التي أطلقتها هيئة الأفلام عبر مبادرة «سينماء» خطوة بالغة الأهمية؛ لأنها لا تكتفي بتوثيق الأعمال، بل تسعى إلى توثيق الإنسان خلف العمل. فالسينما ليست مجرد صورة وصوت، بل تجارب حياة وأحلام وإصرار ومحاولات لا يراها الجمهور غالبًا.
التاريخ الشفهي في جوهره، هو إنقاذ للذاكرة قبل أن يطويها الزمن. فكم من تجربة فنية كبيرة لم تُكتب، وكم من حكاية خلف فيلم أو مسلسل بقيت حبيسة ذاكرة أصحابها. حين نمنح هذه الذاكرة مساحة لتُروى فإننا لا نوثق الماضي فقط، بل نمنح المستقبل فرصة لفهم الطريق الذي سلكته هذه الصناعة.
السينما العربية مرت بتحولات كثيرة عبر العقود؛ تحولات فنية وثقافية وحتى اجتماعية. وكل مرحلة منها تركت بصمتها الخاصة في شكل الصورة وفي طبيعة الحكاية التي تُروى على الشاشة. لكن ما لا يُقال كثيرًا هو أن هذه التحولات لم تصنعها الأفلام وحدها، بل صنعها أشخاص حملوا شغفهم بالفن رغم التحديات وفتحوا الطريق لمن جاء بعدهم.
من هنا تأتي قيمة هذا البرنامج الذي يسعى إلى تقديم لقاءات حوارية معمّقة مع رواد وصناع السينما والدراما في العالم العربي، من مخرجين وممثلين وكتّاب ونقاد وغيرهم. فهذه الشهادات ليست مجرد ذكريات شخصية، بل هي جزء من السردية الثقافية لصناعة كاملة.
كما أن توثيق هذه التجارب يمنح الأجيال الجديدة من صناع الأفلام والباحثين مادة ثرية لفهم السياق الذي تشكلت فيه السينما العربية، والتحديات التي واجهها الرواد، والطرق التي ابتكروها ليواصلوا صناعة الحلم على الشاشة.
الأرشيف ليس مجرد حفظ للمواد البصرية أو تسجيل للأعمال الفنية. الأرشيف الحقيقي هو حفظ الروح التي صنعت هذه الأعمال. ولهذا فإن مبادرات مثل هذه تسهم في بناء ذاكرة ثقافية لا تقل أهمية عن الأفلام نفسها.
في النهاية، السينما ليست فقط ما نشاهده..بل أيضًا ما يُحكى عنها، وما يبقى في ذاكرة من عاشوا تفاصيلها.
ولهذا، حين نحفظ هذه الذاكرة، فإننا نحفظ جزءًا من تاريخنا الثقافي كله.