د. محمد بن أحمد غروي
تحتفي رابطة آسيان هذا العام بمرور 50 عامًا على تدشين معاهدة الصداقة والتعاون في جنوب شرق آسيا، وهي المعاهدة التي ترسخ لمبادئ السلام والتوافق والتفاهم بين دول آسيان ومختلف دول العالم.
يعود تاريخ تأسيس رابطة جنوب شرق آسيا إلى عام 1967، حين وقَّعت إندونيسيا وماليزيا والفلبين وسنغافورة وتايلاند، التي تعد الدول المؤسسة للتكتل، إعلان بانكوك. وبعد حوالي سبعة عشر عامًا انضمت بروناي إلى الرابطة في 1984 تبعتها فيتنام في 1995 ولاوس وميانمار في 1997 ليكتمل أعضاء الرابطة العشر في 1999 بانضمام كمبوديا. كان الهدف من إنشاء الرابطة دعم التبادل الاقتصادي والثقافي بين أعضائها، والحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة وإقامة علاقات مع القوى الخارجية بأهداف موحدة.
اتخذت الدول الخمس المؤسسة في منتصف السبعينيات خطواتٍ نحو ترسيخ هذه المبادئ في منطقةٍ طالما اتسمت بالمواجهات وانعدام الثقة. ونتج عن ذلك معاهدة الصداقة والتعاون، المصممة لترسيخ السلام وتوجيه العلاقات بين الدول في جنوب شرق آسيا. وعلى مدى العقود الخمسة الماضية، انضمت دولٌ من مختلف أنحاء العالم إلى المعاهدة، وحتى اليوم يبلغ عدد الأطراف في الاتفاقية 58 طرفًا، أي ما يُمثل نحو 30 % من دول العالم.
تصنف رابطة آسيان من بين المناطق الأسرع نموًا اقتصاديًا ولديها كثافة سكانية مرتفعة، حيث يبلغ عدد سكان دول الرابطة مجتمعة ما يقرب من 600 مليون شخص. كما تتمتع الرابطة بأهمية سياسية واقتصادية نتيجة موقعها الإستراتيجي ودورها الجيوسياسي وقوتها الاقتصادية عالميًا. وأصبحت الرابطة مركزًا للنمو والتنمية، إذ بلغ الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة حوالي 3.3 تريليونات دولار أمريكي في عام 2021، وهو ثالث أكبر اقتصاد في آسيا، وخامس أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة والصين واليابان وألمانيا. كما اجتذبت خلال الأعوام الثلاثة الماضية أكثر من 400 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر، بما في ذلك رقم قياسي بلغ 230 مليار دولار في عام 2023 وحده.
كانت الصين والهند أول دولتين من خارج رابطة آسيان تنضمان إلى المعاهدة عام 2003، بينما انضمت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في عام 2009. فيما شهدت السنوات العشر الأخيرة اهتمامًا عربيًا وخليجيًا بالانضمام للمعاهدة، إذ انضمت مصر والمغرب في عام 2016 والجزائر العام الماضي، وخليجيًا انضمت البحرين إلى المعاهدة في 2019 ثم الإمارات وقطر وعمان في عام 2022 والمملكة العربية السعودية في عام 2023 .
تمثّل معاهدة الصداقة والتعاون مدونة سلوك أساسية للعلاقات بين دول المنطقة، وحجر الزاوية للسلام والاستقرار الإقليميين، كما تعزز السلام الدائم والوئام والتعاون المستدام بين شعوب جنوب شرق آسيا، وفقًا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة. ومن أبرز مبادئ المعاهدة الاحترام المتبادل للسيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتسوية السلمية للنزاعات، ونبذ التهديد باستخدام القوة أو استخدامها، والتعاون الفعَّال، ما وفر إطارًا دبلوماسيًا مستقرًا في منطقة تتسم بالتنوع والتعقيد.
وعلى مدى العقود الخمسة الماضية، لعبت هذه المعاهدة دورًا محوريًا في دعم السلام والاستقرار والتعاون في جنوب شرق آسيا، إذ رسخت مبادئ المعاهدة وآلياتها بقوة في النسيج السياسي لجنوب شرق آسيا، وشكّلت معايير السلوك، وعزَّزت ثقافة ضبط النفس، وشجعت الحوار والتشاور، بما هيأ الظروف لإدارة ملف الحدود، وتجنب سوء التقدير، مما يعزِّز الثقة ويوطد العلاقات الودية في جميع أنحاء المنطقة. كما أرست المعاهدة أسس ما يُعرف باسم «طريقة الآسيان» - وهي ثقافة دبلوماسية مبنية على الدبلوماسية الهادئة وعدم المواجهة والتوافق.
وخلال احتفال آسيان بمرور 50 عامًا على معاهدة الصداقة، أكدت الرابطة أن المعاهدة تواصل توجيه دول المنطقة لبناء آسيان مبتكرة ومرنة تضع الإنسان في محور الاهتمام، وأن المعاهدة أحد أبرز أركان خطتها لتحقيق رؤيتها المجتمعية لعام 2045. ومن ناحية أخرى، حثّت الرابطة الأطراف المتعاقدة السامية على البناء على زخم الذكرى الخمسين من خلال تعميق التعاون معها بطرق تتسم بالتوجه الاستراتيجي والفعال والملاءمة والمنفعة المتبادلة، والاستجابة للتحديات الراهنة والمستجدة.
انضمام ما يُمثِّل نحو 30 % من دول العالم إلى معاهدة أساسها التفاهم والصداقة والتعاون، يعد نجاحًا لرابطة آسيان ونهجها القائم على الدبلوماسية والتوازن، وتأكيدًا لأهميتها على الساحة العالمية التي تتزايد في السنوات الأخيرة من الناحيتين الاقتصادية والجيوسياسية.