رمضان جريدي العنزي
في عصر يغرق فيه العالم ببحر من المحتوى، يصبح التمييز بين السمين والغثاء أمرًا يشبه فرز الذهب من التراب، الغثاء ليس مجرد كلام فارغ، بل هو ذلك الذي يُنتج بكميات هائلة ليُستهلك سريعًا، يثير الانفعال اللحظي ثم يتلاشى، تاركًا وراءه فراغًا أعمق مما ملأه، وأخطر ما فيه أنه يجد طريقه إلى الانتشار لا بالجودة، بل بالتكرار والصراخ والصخب والضجيج، والهرج والجلب والإيحاءات المشينة، هجر الغثاء ليس رفضًا سلبيًا، بل بناءً نشطًا لعالم أفضل، دعونا نُشعل شموع المعرفة القيمة، ونترك الغثاء يذبل في الظلام الذي يستحقه، بهذا، نبني ثقافة مستدامة تُثري الأجيال القادمة، وتُعيد للكلمة قيمتها الحقيقية، وللمشهد الطيب مفعوله الحسن، وللمحتوى النقي حضوره، دعونا ننبذ كل لغة ركيكة هابطة، وكل مشهد تافه، وكل تلميح رخيص، وكل إيماءة سخيفة، وكل محتوى مبتذل، لا يليق بديننا وأخلاقنا ومبادئنا وقيمنا وتقاليدنا وأعرافنا، دعونا نفتح نوافذ الخير والنبل والعقل والحلم والرزانة، في عالم يغلق فيه الناس نوافذهم أنانية وطمعاً ومصلحة شخصية وعدم مبالاة وعدم اهتمام واكتراث، اتركوا كل ما يطفو على السطح بلا روح، وكل ما يملأ النفوس ضجيجاً، ويترك القلوب خاوية، لا تكونوا كزبد البحر يعلو لحظة ثم يذوب في العدم، كونوا ماء عذباً يسقي الأرض ويمنحها حياة، أشعلوا شموع العلم والمعرفة، في دروب العتمة، فالعتمة لا تهزم بالصراخ، بل بنور صغير يصر أن يبقى متقداً، المعرفة ليست ترفاً، بل نجاة، وليست كلمات تحفظ، بل وعي يوقظ، وحياة لها معنى وقيمة، فلا ترضوا بالتفاهات التي تخدر العقول، وتميت الشغف، اختاروا ما ينبت في النفوس الدهشة، ويزرع في الأرواح اليقين، كونوا ممن إذا مروا في عتمة، تركوا أثراً من نور، فالدنيا تمتلئ بالغثاء الكثيف، والتفاهة الكبيرة، لكنها لا تخلد إلا لأصحاب الشموع، إن الغثاء كثير، والتفاهة أكثر، لكن النور أقوى، وإن الضجيج عال، لكن الحقيقة أصدق، فامضوا حيث يصفو المعنى، وحيث تشرق الكلمة، وحيث تصبح المعرفة رسالة خالدة، وشمعة لا تنطفئ.