مبارك بن عوض الدوسري
يأتي يوم العلم السعودي، الذي يوافق الحادي عشر من مارس، بوصفه مناسبة وطنية تتجدد فيها مشاعر الاعتزاز بالراية الخضراء التي حملت عبر تاريخها معاني التوحيد والوحدة والنهضة؛ ولدى أفراد الكشافة السعودية على وجه الخصوص، يكتسب هذا اليوم حضوراً مختلفاً، إذ يرتبط في وجدانهم بذاكرة طويلة من الممارسات التربوية التي جعلت العلم جزءاً أصيلاً من هويتهم الكشفية، ورمزاً يرافقهم في كل مرحلة من مراحل نموهم المعرفي والقيَمي؛ فمنذ خطواتهم الأولى في الساحات الكشفية، يتعلم الفتية والشباب أن العلم ليس مجرد قطعة قماش ترفرف في السماء، بل هو عنوان وطن، وتاريخ أمة، وقصة ولاء متجذرة في النفوس.
وقد أولت الكشافة في المملكة اهتماماً كبيراً لترسيخ مكانة العلم في نفوس منتسبيها، فكان نظام العلم جزءاً أساسياً من المنهج الكشفي في جميع المراحل، بما يحمله من قيم الانضباط والاحترام والانتماء؛ ومع كل صباح يفتتح فيه الفتية والشباب برامجهم بتحية العلم، تتجدد في قلوبهم تلك المشاعر التي تربطهم بوطنهم، وتدفعهم إلى خدمة مجتمعهم بروح المبادرة والمسؤولية؛ ولعل مشهد الاصطفاف حول السارية، وارتفاع الراية في لحظة صامتة مهيبة، يظل من أكثر اللحظات حضوراً في ذاكرة كل كشاف، سواء في مخيم محلي أو في محفل عالمي، حيث يشعر كل واحد منهم أنه يحمل جزءاً من هوية وطنه معه أينما ذهب.
ولأن العلم السعودي يحمل في وسطه شهادة التوحيد، فقد أصبح لدى الفتية والشباب رمزاً يتجاوز حدود الشكل إلى عمق المعنى، فهو يجسد القيم التي تأسست عليها المملكة، ويذكرهم بأنهم امتداد لجذور راسخة صنعت تاريخاً مشرفاً، وأسست لنهضة تتواصل اليوم بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظهما الله- اللذين يقودان مسيرة وطن يزداد قوة وازدهاراً، ويواصل حضوره العالمي بثقة وثبات.
ولم يكن حضور العلم في حياة الكشافين مجرد التزام روتيني، بل أصبح جزءاً من شخصيتهم، يظهر على بزاتهم في كل مناسبة، ويلازمهم في المؤتمرات والمخيمات الإقليمية والدولية، حيث يحرصون على رفعه عالياً بكل فخر؛ ومن عاش تلك اللحظات يدرك تماماً ما تعنيه للكشاف السعودي، فهي لحظة تختلط فيها مشاعر الانتماء بالمسؤولية، ويشعر فيها كل مشارك أنه يمثل وطنه وقيمه وتاريخه أمام العالم.ويأتي احتفاء الكشافة بيوم العلم ليؤكد هذا الارتباط العميق، فهو يوم يعيدون فيه قراءة تاريخ بلادهم، ويستحضرون التضحيات التي بُذلت منذ التأسيس وحتى اليوم، ويجددون عهدهم بالولاء والطاعة، وبذل الجهد في سبيل رفعة الوطن؛ كما يمثل هذا اليوم فرصة لغرس حب الوطن في نفوس الناشئة، وتعريفهم بما حققته المملكة من إنجازات، وما ينتظرهم من مسؤوليات في مستقبل يتطلب وعياً وعملاً وإخلاصاً.
إن يوم العلم ليس مجرد مناسبة وطنية، بل هو مساحة تتجدد فيها القيم، وتتعزز فيها الهوية، ويشعر فيها كل كشاف سعودي أنه جزء من قصة وطنية عظيمة، وأن العلم الذي يرفعه اليوم هو ذاته الذي سيظل خفاقاً في سماء المملكة، شاهداً على وحدتها ونهضتها، ورمزاً لرسالتها التي حملتها إلى العالم عبر مبادرات إنسانية رائدة، من أبرزها مبادرة «رسل السلام» التي انطلقت من هذه الأرض لتدعو إلى المحبة والوئام بين الشعوب.