تقف المنطقة العربية اليوم فوق صفيح جيوسياسي شديد السخونة، في لحظة تاريخية لم تعد تحتمل إمكانية الحياد أو الركون إلى ضمانات دولية أثبتت الأيام وهنها، إن المشهد العالمي الراهن، الذي تهيمن عليه صراعات الإرادات الكبرى، يبعث برسالة واحدة لا لبس فيها: الأرض لا تتسع إلا للأقوياء، والخرائط التي لا يحميها سياج من الوحدة هي خرائط قابلة للمحو أو التعديل في غرف العمليات الدولية، وبينما تتبادل طهران من جهة وواشنطن وإسرائيل من جهة أخرى الحرب النارية فوق رؤوسنا، وبينما تتقاطع مصالح القوى العظمى في ممراتنا المائية وأجوائنا، من حقنا أن نتساءل؛ أين هو الموقف العربي الموحّد الذي يفرض شروطه ولا يكتفي بردود الفعل؟
إن العالم اليوم لا يعترف بالشرعية الأخلاقية ولا بالحقوق التاريخية بقدر اعترافه بموازين القوى على الأرض، وهذا يفرض علينا حتمية الانتقال من مرحلة «التنسيق التشاوري» إلى مرحلة «الجبهة الإستراتيجية الصلبة»، التي تقودها قاطرة الاستقرار الإقليمي المتمثلة في المملكة العربية السعودية.
إن ما يحدث في جغرافيا التصدعات العربية، من أنين السودان المنسي إلى تمزّق ليبيا المنهكة ومرارات اليمن المستمرة، ليس مجرد مصادفات تاريخية أو صراعات داخلية محضة، بل هو نتاج مباشر لغياب الرؤية الموحّدة وتسلّل المشاريع العابرة للحدود التي وجدت في الفراغ العربي بيئة خصبة للتمدد، وفي وسط هذه الأزمات، تبرز مأساة «الطعنات من الخلف»؛ حيث لم يعد الخطر مقتصراً على أطماع الخارج، بل تجسد في أدوار إقليمية مريبة تمارس نوعاً من «هندسة الفوضى»، ثمة أطراف في محيطنا، آثرت أن تعبث بالنسيج العربي، تحت غطاء من الدبلوماسية الناعمة التي تخفي خلفها مخالب التفتيت، إن هذا الدور هو الخطر الحقيقي الذي ينخر في جسد الأمة، وهو السلوك الذي يحاول تقويض المساعي الجادة لترميم البيت العربي والإسلامي، مما يجعل من كشف هذه المخططات ومواجهتها بصلابة جزءاً أصيلاً من معركة البقاء.
إن القوة التي ننشدها هي درع الضرورة في زمن «صراع الوحوش»، فعندما ننظر إلى النموذج السعودي المعاصر، نجد رؤية طموحة تدرك أن الاقتصاد والسياسة والدفاع مثلث لا ينفصل، وأن هناك أهمية لخلق توازن رعب يمنع التدخلات الخارجية ويقطع الطريق على «المؤامرات الصامتة» التي تحاك في بعض الغرف الإقليمية، إن بناء جبهة موحدة يعني بالضرورة إغلاق الثغرات التي يتسلَّل منها أصحاب الأجندات التخريبية، أولئك الذين يقدمون أنفسهم كأشقاء بينما هم في الحقيقة مهندسو تفتيت، يسعون لتحويل الدول الوطنية إلى شظايا متناحرة ليسهل التحكم بمصيرها، إن التاريخ لن يغفر للذين خانوا وحدة الصف، ولن يحترم العالم أمة تملك كل مقومات السيادة لكنها تفتقر إلى إرادة الاتحاد، مما يجعل الصرخة اليوم هي صرخة وعي بمكامن الخطر والفرص على حد سواء، لتأسيس قطب إقليمي وازن ينهي ويوقف نزيف المؤامرات التي تُدار عربية لتدمير أحلام عربية.
** **
- محمد رزاق