زياد الجارد
تعتمد التجارة العالمية بدرجة كبيرة على عدد محدود من المضائق البحرية التي تمر عبرها نسبة ضخمة من حركة السلع والطاقة.
وتشير التقديرات إلى أن نحو ثلث تجارة الحاويات العالمية تمر عبر البحر الأحمر، وفي منطقتنا تبرز ثلاثة ممرات رئيسة تشكل شرايين أساسية للتجارة الدولية، وهي قناة السويس، وباب المندب، ومضيق هرمز.
وقد أظهرت الأحداث الجيوسياسية خلال السنوات الأخيرة أن الاعتماد الكامل على هذه الممرات قد يعرض سلاسل الإمداد لمخاطر في حال حدوث توترات واضطرابات تؤثر على حركة الملاحة.
وفي ظل هذه الظروف، هل يمكن التفكير في مسارات لوجستية بديلة يمكن تفعيلها في أوقات الأزمات بهدف تقليل الاعتماد على المضائق البحرية وضمان استمرار تدفق السلع بشكل أسرع؟
أحد الأفكار التي قد تكون محل نقاش تتمثل في الاستفادة من الجغرافيا الإقليمية لإنشاء ممرات تجمع بين النقل البحري والبري، فعلى سبيل المثال، يمكن نقل الحاويات القادمة من أوروبا أو أمريكا إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط في مصر، مثل ميناء بورسعيد أو دمياط أو الإسكندرية، ثم نقلها بريًا عبر شبكة الطرق البرية داخل مصر إلى ميناء عين السخنة على البحر الأحمر، قبل إعادة شحنها بحريًا إلى موانئ المملكة على البحر الأحمر.
وفي الشمال يتيح الموقع الجغرافي لتركيا خيارًا آخر يمكن التفكير فيه عبر ميناء مرسين، ثم نقلها بريًا عبر شبكة الطرق باتجاه المنطقة العربية مرورًا ببلاد الشام وصولًا إلى الأسواق الخليجية.
أما في الجنوب فنجد أن ميناء صلالة في سلطنة عمان منفذ مهم للشحنات القادمة عبر المحيط الهندي، إذ يقع هذا الميناء خارج مضيق هرمز، ويمكن أن يشكل نقطة عبور للحاويات بريًا إلى أسواق الخليج، بما يوفر خيارًا مهمًا للمنطقة في حال اضطراب الملاحة البحرية.
هذا النموذج اللوجستي متعارف عليه عالميًا، وقد يوفر مسارًا بديلًا في حال تعطل بعض الممرات البحرية أو حدوث اختناقات في حركة الملاحة، كما حدث بعد إغلاق قناة السويس عام 1967 حين لجأت بعض شركات الشحن إلى استخدام ما عُرف بالجسر البري بين البحرين. وقد تكون هذه المسارات أكثر تكلفة، لكنها قد تشكل حلًا عمليًا في أوقات الأزمات، فالمسافة بين البحرين داخل مصر لا تتجاوز بضع مئات من الكيلومترات، وكذلك المسافة بين ميناء صلالة والأسواق الخليجية، مما يجعل مثل هذه الخيارات ممكنة وقد تكون أسرع في بعض الظروف.
وبطبيعة الحال، لا تهدف مثل هذه المقترحات إلى استبدال الممرات البحرية التقليدية التي ستظل الخيار الأكثر كفاءة من حيث التكلفة وحجم النقل في الظروف الطبيعية، غير أن وجود خيارات لوجستية بديلة يمكن أن يعزز مرونة سلاسل الإمداد ويمنح المنطقة قدرة أكبر على التعامل مع الأزمات المفاجئة والاستفادة من البعد الجغرافي للمنطقة وقوة العلاقة مع دول الجوار.