رسيني الرسيني
شاء الله أن تكون منطقتنا، وفي قلبها الخليج العربي، أحد أهم محاور الطاقة في الاقتصاد العالمي. فهذه الأرض ليست هامشية في حركة التجارة، بل تمثل شريانًا رئيسيًا لتدفق الطاقة إلى الأسواق الدولية. لذلك فإن أي اضطراب فيها لا يبقى محليًا، بل يمتد أثره سريعًا إلى الاقتصاد العالمي بأسره. والحروب، مهما كانت دوافعها السياسية أو العسكرية، تظل في النهاية أحداثًا ذات تكلفة اقتصادية باهظة يتحملها الجميع بدرجات متفاوتة. غير أن حجم هذه التكلفة لا يتحدد بمجرد اندلاع الحرب، بل يعتمد بالدرجة الأولى على مدة استمرارها، أو على وقوع أحداث جوهرية قد تعيد تشكيل المشهد بالكامل.
إذا طال أمد الحرب، فالأثر على الاقتصاد العالمي عبر قناتين أساسيتين: التضخم وتباطؤ الإنتاج. فعندما ترتفع أسعار الطاقة نتيجة اضطراب الإمدادات، ترتفع معها تكلفة النقل والصناعة وسلاسل التوريد، ما يدفع الأسعار إلى الصعود، الأمر الذي تجد البنوك المركزية نفسها مضطرة إلى الإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة للحد من التضخم، وهو ما يضعف الاستثمار والنشاط الاقتصادي. وفي الوقت ذاته، تتأثر التجارة الدولية بارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والمخاطر الجيوسياسية، ما ينعكس على حجم الإنتاج العالمي. وبهذا تتشكل بيئة اقتصادية معقدة تجمع بين تباطؤ النمو وارتفاع الأسعار، وهي الحالة التي يصبح فيها التعافي الاقتصادي أكثر صعوبة وتكلفة.
الحروب الحديثة لم تعد تُقاس فقط بنتائجها العسكرية، بل بتكلفتها الاقتصادية أيضًا. وتشير تقديرات متداولة إلى أن العمليات العسكرية الجارية تكلف الولايات المتحدة أكثر من 800 مليون دولار يوميًا، مع احتمال أن تصل الكلفة الإجمالية إلى نحو 95 مليار دولار إذا استمرت العمليات لشهرين، وفق أرقام نُشرت في قناة العربية. هذه الأرقام تعكس جانبًا من العبء المالي الذي تتحمله الخزانة الأمريكية، في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي مستويات مرتفعة من الديون وأسعار الفائدة. ولهذا السبب، غالبًا تسعى القوى الكبرى إلى احتواء النزاعات أو إنهائها سريعًا، ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضًا لتجنب استنزاف مواردها الاقتصادية.
في خضم الأزمات العالمية، تبرز بعض الاقتصادات بقدرتها على التكيف والصمود. وتعد المملكة مثالًا واضحًا على ذلك، إذ تتمتع بعدة عناصر قوة اقتصادية، من أبرزها انخفاض مستويات الدين العام مقارنة بالعديد من الاقتصادات الكبرى، وارتفاع الاحتياطيات المالية. بالإضافة إلى الاستثمارات في الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد بشكل عزز من قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات. وقد تجلى ذلك بوضوح خلال جائحة كورونا، حين واجهت دول كثيرة اضطرابات حادة، بينما حافظت المملكة على توازن ملحوظ، إلى جانب دور إنساني واقتصادي داعم إقليميًا ودوليًا. هذه العوامل تمنح اقتصادنا مرونة أكبر في التعامل مع الأزمات العالمية.
حسنًا، ثم ماذا؟
قد تبدو أسعار النفط المرتفعة في ظاهرها مكسبًا للدول المنتجة، لكن إذا كان الارتفاع لفترة طويلة نتيجة حرب واضطراب في الإمدادات، لا نتيجة تحسن حقيقي في الطلب العالمي، فإن ذلك ليس خبرًا جيدًا لا للدول المنتجة ولا للاقتصاد العالمي.