د. إبراهيم بن جلال فضلون
«الدين هو السلسلة التي تربط الأجيال القادمة بأخطاء الحاضر» توماس جيفرسون. بينما تنشغل الصواريخ في رسم مساراتها في سماء الخليج، ترسم الأرقام في «وول ستريت» مساراً نحو الهاوية. لتهتز معها أسواق المال، وسلاسل الإمداد، وموازين القوة الاقتصادية. والتاريخ يعلمنا أن كل صراع كبير يعيد تسعير المخاطر الاقتصادية، وما نشهده اليوم ليس استثناءً، بل ربما يمثل إحدى أكبر الصدمات الجيوسياسية للاقتصاد العالمي منذ سنوات، فشل فيه الاحتياطي الفيدرالي في احتواء تداعيات هذه الأزمة لا ليس مجرد هفوة تقنية، بل هو إعلان عن نهاية حقبة «التحكم المركزي» في الأسواق. في الحادي عشر من مارس 2026، يقف الفيدرالي عاجزاً أمام «تضخم الحرب» الذي لم تعد تكسره أسعار الفائدة. مُتحولاً إلى اختبار اقتصادي عالمي قد يعيد رسم خريطة الاستثمارات والطاقة العالمية.
بالفعل سقطت «العظماء السبعة» أو ما يُعرف الأسهم الكبرى، والتي كانت المُحرك التاريخي لنمو الأسواق الأمريكية، وهو ما نراه بفشل الفيدرالي في إدارة أزمة الدين وفق أدواته التقليدية، لكنه اصطدم بجدار «الدين العام» المُتضخم. مع تسارع الإنفاق العسكري لتعويض المخزونات النافدة، فاضطرت الإدارة الأميركية إلى استدعاء كبار مصنعي السلاح لتسريع الإنتاج العسكري، في محاولة لتعويض الاستنزاف السريع للمخزونات العسكرية. هذه الخطوة تكشف حقيقة مهمة في اقتصاد الحروب الحديثة: أن الصناعة الدفاعية أصبحت جزءاً من البنية الاقتصادية للحروب.
وبالتالي اتسعت فجوة العجز، مما جعل المناورة المالية مستحيلة. أمام عجز الفيدرالي لاحتواء تقلبات أسعار الصرف، كما أن انهيار الثقة في «السندات» أدى إلى تسارع وتيرة هروب المستثمرين. في محاولة لاحتواء «انفجار الدين» عبر استراتيجيات تقشفية قاسية في الداخل، لكنها تأتي متأخرة جداً أمام نزيف الإنفاق الحربي، والمفارقة هُنا أن تسريع الإنتاج العسكري لا يعكس دائماً القوة، بل قد يكون دليلاً على ضغط لوجستي واستنزاف الموارد، فالحروب الطويلة تستهلك المخزون الاستراتيجي بوتيرة أسرع بكثير من قدرة المصانع على تعويضه، حيثُ يميل توقعات الخبراء لهذه الشركات تميل نحو «السلبية المطلقة» على المدى المتوسط. فلم يعد المستثمر يبحث عن «النمو» في شيء كأسهم التكنولوجيا، بل أصبح يبحث عن «البقاء» في أسهم الائتمان والشركات المُرتبطة بالدفاع، مما أدى إلى تصحيح مؤلم في قيم هذه الشركات العملاقة.
فارتفاع النفط قد يعيد إشعال التضخم العالمي، في وقت تظهر فيه بوادر ضعف في سوق العمل الأميركية بعد فقدان نحو 105 ألف وظيفة وارتفاع البطالة إلى 4.4 %، وهنا يصبح الاقتصاد العالمي أمام خطر الركود التضخمي، وهو أحد أصعب السيناريوهات الاقتصادية التي يحاول المستثمر الذكي أن يتبنى استراتيجية «الجني المبكر للأرباح»، وفق تكتيك مُتبع الآن هو التحوط بالذهب والسلع الأساسية، مع التركيز على شركات ناقلات النفط التي تستفيد من «القوة القاهرة» والتي هزت الأسواق.. عدا -ولله الحمد- السوق السعودية، رغم الأزمة، سجلت مكاسب بلغت 230 نقطة مدعومة بارتفاع أسعار النفط، مما يدُلُ أن «سلاح الطاقة» يظل الرهان الأقوى في مواجهة العواصف. ولا ننسى أن بعض سلال الاستثمار الجيوسياسي حققت مكاسب تقارب 23 %هذا العام نتيجة الطلب المتزايد على شركات الدفاع والطاقة.
وأخيراً: «الاقتصاد هو اللغة الصامتة للحروب»، فالتاريخ يثبت أن الحروب لا تُحسم فقط على الأرض، بل في أسواق الطاقة والمال، ونحنُ أمام مشهد «ما بعد العولمة»، حيث تصبح السيادة الطاقية والدفاعية هي المعيار الوحيد للقيمة، وإذا استمر التصعيد، فقد لا يكون السؤال هو من سيربح الحرب، بل من يستطيع تحمل تكلفتها الاقتصادية، فالأزمة الحالية، بظلالها السوداء فوق طهران وبأرقامها الحمراء في نيويورك، تؤسس لنظام مالي جديد لا يرحم الضعفاء أو الغارقين في الديون.
وقفة: في نهاية الصراع، لن يتذكر العالم عدد الصواريخ التي أطلقت، بل سيتذكر كم من الثروات تبخرت وكم من الديون بقيت»، مقولة حكيمة معاصرة.