خالد بن عبدالرحمن الذييب
في مشهدٍ نبويٍ عظيم، يمرُّ موقفٌ قد يراه البعض عابرًا، لكنه في جوهره يمثل دستوراً في الذكاء الاجتماعي وإدارة الأزمات الصامتة؛ تروي أم المؤمنين صفية -رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معتكفاً، فأتته تزوره ليلاً، وعند مغادرتها قام ليعيدها إلى دارها، وفي تلك اللحظة، مرَّ رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا، فناداهما عليه الصلاة والسلام قائلاً: «على رسلكما، إنها صفية بنت حيي». هذا الحديث ليس مجرد واقعة تاريخية، بل هو درسٌ بليغ في كسر نبتة «سوء الفهم» قبل أن تنمو.
يرفع الكثير شعار: «أنا مسؤول عما أفعل أو أقول، ولست مسؤولاً عما تفهم». هذه العبارة، رغم ما تحمله من جانب من الصحة في تحمل المسؤولية الفردية، إلا أنها كثيراً ما تُستخدم في سياق خاطئ يخلط بين عزة النفس وبين الإهمال في إدارة الصورة الذهنية. إذ يروج البعض لفكرة أن الثقة بالنفس تقتضي بالضرورة عدم التبرير، مستشهدين أحياناً ببيت المتنبي الشهير: «أنام ملء جفوني عن شواردها.. ويسهر الخلق جراها ويختصم». صحيحٌ أن هذا البيت يجسد ذروة الاعتداد بالنفس، إلا أن استحضاره في مواقف الضبابية الاجتماعية قد يكون فخاً؛ فالنوم «ملء الجفون» عن سوء فهمٍ يتنامى حولك قد يتحول لاحقاً إلى قرارات جائرة تُتخذ بحقك نتيجة جهلك بما تم، أو استخفافك بأثر الشائعة التي تركتها تنمو في الظلام.
إن المتأمل في هذا المسلك النبوي يلحظ استحضاراً ذكياً لدروس الماضي؛ وكأن النبي صلى الله عليه وسلم، الذي عانى مجتمعه مرارة «حادثة الإفك» التي استمرت شهراً من القيل والقال لعدم وأدها في مهدها، قرر ألا يترك للشيطان ثغرة واحدة يعبر منها. لقد كان موقف «على رسلكما» تطبيقاً عملياً لإستراتيجية الوقاية، فبدلاً من ترك الخيال البشري ينسج سيناريوهات مظلمة، بادر صلى الله عليه وسلم بقطع الطريق على «إفكٍ» محتمل، حين قال: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً». وهنا يبرز الفارق؛ فالحادثة التي يتم السكوت عنها في بدايتها تلوكها الألسن وتكبر ككرة الثلج، بينما الكلمة الواضحة في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة هي «الدرع الوقائي» الذي يحمي الكيان الإنساني والمهني.
إن قمة الثقة بالنفس ليست في الصمت المتعالي، بل في الشجاعة التي تجعلك تقف أمام من تعز مصلحتك أو علاقتك عنده لتضيء المساحات المظلمة بكلمات بسيطة ومكثفة، ولا يعني ذلك أبداً كتابة معلقات لإثبات البراءة، بل هو منهج في الشفافية يغلق أبواب التأويل.
أخيراً…
لست بحاجة للتبرير دائماً، لكنك بحاجة للتوضيح أحياناً، ولمرة واحدة فقط؛ فما زاد عن ذلك يصبح تسولاً للقبول .. لا توضيح موقف.
ما بعد أخيرا…
بين عزة التبيين وذلة التبرير يكمن جوهر الحكمة.