سارة الشهري
كأنّ الأيام قد اتفقت على أن تمرّ مسرعة حين يكون الضيف عزيزاً. هكذا هو رمضان، ما إن نستقبله بلهفة القلوب ودموع الشوق حتى نجد أنفسنا نودّعه على عجل. بالأمس القريب كنا نتهيّأ لقدومه، نعدّ له نوايانا، ونزيِّن له قلوبنا قبل بيوتنا، وها نحن اليوم نقف عند أعتاب رحيله نعد ما بقي منه أيّاماً معدودات.
رمضان ليس شهراً في التقويم فحسب، بل حالة من الصفاء تسكن الروح. فيه تتبدل العادات، وتلين القلوب، وتقترب الأرواح من بارئها أكثر من أي وقت آخر. في لياليه سكونٌ مختلف، وفي نهاره صبرٌ له طعم العبادة، وفي ساعاته شعور خفي بأن الزمن أثمن من أن يُهدر.
لكنّ أعجب ما في رمضان أنه يعلِّمنا درس الوقت. نستقبله وكأنه طويل ممتد، ثم نكتشف سريعاً أنه كان أقصر مما ظننا. تمرّ الليالي الأولى مفعمة بالحماس، ثم تتسلَّل الأيام سريعاً حتى نجد أنفسنا في العشر الأواخر، ونتساءل بدهشة متى مضى كل هذا؟
وحين يقترب الرحيل، يبدأ القلب بمراجعة حساباته:
هل أحسنّا استقبال هذا الضيف الكريم؟
هل امتلأت صحائفنا بما يليق بكرمه؟
وهل تغيّر فينا شيء يبقى بعده؟
رحيل رمضان ليس نهاية موسمٍ من العبادة فحسب، بل امتحان لما بعده. فالصادقون هم الذين يظل أثر رمضان حياً في قلوبهم وسلوكهم، يستمر القرآن رفيقاً، وتبقى الصلاة نوراً، ويظلّ القلب معلقاً بما تعلَّمه في تلك الأيام المباركة.
ومع اقتراب ختام الشهر، يدرك المرء حقيقةً بسيطة وعميقة، أن رمضان لم يكن أياماً نعيشها فقط، بل فرصة كانت تمر بين أيدينا.
فمن أحسن استثمارها فقد ربح، ومن قصّر فباب الرجاء لا يزال مفتوحاً ما دام في العمر متّسع.
وهكذا يمضي رمضان كما جاء، هادئاً كريماً، يترك في القلوب أثراً لا يُمحى، ويغادر تاركاً وراءه شوقاً يتجدّد كل عام، وأملاً صادقاً أن نبلغه مرة أخرى إن شاء الله ونحن أكثر قرباً من الله وأصدق عزماً على الطاعة.