صالح الشادي
تعد اللغة العربية إحدى أعمق اللغات الإنسانية وأكثرها ثراءً وتعقيداً، فهي ليست مجرد أداة للتواصل اليومي، بل هي وعاءٌ لحضارة امتدت لقرون، وسجلٌ حافل لتاريخ أمّة، ومقدّسةٌ لدى أكثر من مليار مسلم في العالم. مكانتها تنبع من كونها لغة القرآن الكريم، الكتاب الخالد الذي رفعها إلى مصاف القداسة الإلهية، فقال تعالى في محكم تنزيله: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}. بهذا النص القرآني، صارت العربية لغة الدين والعلم والفكر، ووعاءً للشريعة ومصدراً للتشريع.
من الناحية العلمية، كانت العربية لغة العلوم لقرون طويلة، فبها دوّن العلماء المسلمون إنجازاتهم في الطب والفلك والرياضيات والفلسفة، وكانت جسراً نقل عبره العالم علوم الشرق إلى أوروبا الناهضة. وعلى المستويين العربي والإسلامي، تمثل اللغة العربية الرابط المشترك بين شعوب تمتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج، وهي القادرة على توحيد الهوية الثقافية للأمة الإسلامية رغم تعدد أعراقها ولغاتها المحلية.
تتمتع الجزيرة العربية بمكانة خاصة فهي مهد اللغة العربية حيث نزل الوحي وبدأت منها رحلة انتشار الإسلام. وتأتي المملكة العربية السعودية في قلب هذه المكانة، فهي منبع اللغة وقلبها النابض، حيث تقع مكة المكرمة والمدينة المنورة، ومنها انطلقت فتوحات اللغة مع الفتوحات الإسلامية. وقد حبا الله العربية بمزايا لا تُعد ولا تُحصى، فهي لغة غنية بالمترادفات والمشتقات، قادرة على استيعاب كل جديد، وثراء مفرداتها يجعلها خزاناً للتاريخ والتراث، فهي الحافظة لقصائد الشعر الجاهلي، والأحاديث النبوية، وأمهات الكتب في شتى الفنون.
قوتها تكمن في قدرتها الفائقة على الاشتقاق والترادف والتضاد، وفي بنائها الصوتي الفريد الذي يكسبها موسيقى خاصة. تأثيرها يمتد إلى اللغات الأخرى كالفارسية والتركية والأوردية وحتى الإسبانية، مما يدل على مكانتها العالمية.
وفي خضم العولمة وتحديات اللغات الأجنبية، يأتي القرار الحكيم الذي تبنته المملكة العربية السعودية مؤخراً باعتماد اللغة العربية في جميع الإجراءات الرسمية الحكومية والخاصة. هذا القرار ليس مجرد إجراء بيروقراطي، بل هو فعل سيادي وهوية وطنية بامتياز. إنه عظيم لأنه يؤكد على مكانة اللغة كلغة دولة ومؤسسات، ويُحتم على الجميع التعامل بها، مما يعزز حضورها في الحياة العامة. وهو قرار موفق لأنه يقطع الطريق على التهميش التدريجي للغة، ويحميها من خطر اللغات الوافدة التي قد تطغى على مفاصل الحياة. هذا التوجه يرسخ مبدأ أن اللغة العربية هي لغة العمل والإبداع والخطاب الرسمي، مما يسهم في خلق جيل واع بأهمية لغته وفخور بهويته.
ولا يمكن الحديث عن خدمة العربية دون الإشارة إلى الدور المحوري لمجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية. يعمل المجمع على عدة مسارات إستراتيجية؛ من نشر اللغة وتعليمها لغير الناطقين بها، إلى المحافظة على تراثها، ووضع المعاجم المتخصصة، وتقنية اللغة العربية في وسائل التقنية الحديثة. كما يسهم في رفع الوعي المجتمعي وتعزيز مكانة اللغة محلياً وعالمياً من خلال المبادرات النوعية والبرامج الطموحة التي تهدف إلى إبراز قيمتها وريادتها.
وفي إطار هذه الجهود المبذولة لتعزيز مكانة اللغة العربية، أنتج المجمع عملاً فنياً بصوت الفنان طلال سلامة تشرفت بكتابته، ليجسد جمال اللغة وعظمتها. ومما جاء في القصيدة:
لكأنها ضوء النجوم بسحرها وبهائها..
وسمو طلتها وطيب مقامها وسمائها
عربية تسمو على كل اللغات فصاحة..
وتضم كل حروف هذا الكون تحت ردائها
مصقولة النبرات باذخة الجمال بضادها..
وبعينها وبسينها وبقافها وبرائها
معطاء تبدو بالسخاء وبالتفضّل والندى..
كقوافل نثرت على البيداء زهر حدائها
لغة الكتاب وهدْي سيدنا النبي وإرثنا..
فيها تجلى، فلنكن منها ومن ندمائها
هذي هي الفصحى حديث الأرض صوت زماننا..
هذي الأصيلة.. قد تخالط نبضنا بدمائها
حاولت في هذه الأبيات تجسيداً لمكانة اللغة العربية، فهي تتربع على عرش اللغات بفصاحتها وبيانها، وهي الأصيلة التي تمتزج بدمائنا، لغة الكتاب وهدي النبي وإرث الأمة، مما يستوجب علينا جميعاً أن نكون من حماتها وندمائها.