منصور بن صالح العُمري
كلما ابتعدتُ خطوةً، شعرتُ أن شيئًا مني يبقى خلفي، وكأن الهواء الذي تشبّع بأنفاس الداعين يأبى أن يتركني أغادر.
نظرتُ إلى مكة نظرة من لا يريد الفراق، وقلتُ في نفسي: كم من عبدٍ وقف هنا ثم غادر ولم يعد؟
وكم من عينٍ بكت هنا، وكانت تلك آخر دمعةٍ لها في مكة؟
في مكة.. الدموع ليست ضعفًا، بل شرفًا.
والدعاء ليس طلبًا، بل يقيناً.
والصمت بين التكبيرات ليس فراغًا، بل امتلاء.
صلّيتُ، وطفتُ، وسعيتُ، ورفعتُ يديّ طويلًا؛ لكنّي وأنا أتهيأ للخروج، لم أكن أحصي عدد الأشواط، ولا عدد الركعات ، بل أحصي عدد الذنوب التي أرجو أن تكون قد محيت من صحيفتي، مستندًا إلى وعدٍ يهمس في داخلي: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}.
لم يكن خوفي أن أبتعد عن الكعبة، بل ان أعود إلى دنياي كما كنت.
أن أخلع إحرامي وأرتدي غفلتي. أن أودّع المكان..
ولا أودّع التسويف.
وقفتُ لحظةً أخيرة، والبيت أمامي شامخٌ لا يودّع أحدًا، فالناس يرحلون.. وهو باقٍ يستقبل غيرهم.
قلتُ: يا رب.. كما جمعتني مع الطائفين ببيتك، فاجمعني مع نبيك الكريم وصحبه الميامين.
وكما أذقتني حلاوة القرب هنا، فلا تحرمني أمان القرب هناك.
ثم خرجت.. وما خرجتُ إلا ومعي آيةٌ تجول بخاطري، ثقيلةً كأنها جبل، واضحةً كأنها مصير: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا }
النار، مجرد الوقوف على شفيرها يخلع القلب، فكيف بالسقوط فيها.
لم يستثن أحداً من ورودها ومن هنا يبدأ الخوف الجميل..
يا رب.. كما وقفتُ اليوم على أطراف الحرم ألتفت مودّعًا، سيأتي يومٌ أقف فيه على أطراف النار أرتجف.
هناك لا طواف، ولا زمزم، ولا دعاء يُمهَّل. هناك {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}، {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}، {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ}.
وأنا وكل هؤلاء الطائفين حول الكعبة والذاكرين في أكنافها نعمل خوفاً ورجاءً منك لذلك اليوم.
إن كان الورود حتمًا، فاجعل عبورنا عليها خفيفين من الأثقال، متعلقين برحمتك لا بأعمالنا. واجعلنا فيمن شملتهم بلطفك: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا}
يا رب، كما يسّرت لي الوقوف بين يديك في بيتك، يسّر لي الثبات بين يديك ما أحييتني. وكما أمنتني في رحاب الحرم، فآمني في رهبة الصراط.
ولا تجعلني ممن يُقال لهم هناك: {وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا}.
يا رب.. إن كان الجميع واردها، فاجعلني من الذين قيل لهم: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}..
أبعدني عنها.. على وعد الخلود في رضوانك، أنا ووالدي وجميع من دعوتُ لهم ومن قال آمين. وأعدني إلى مكة، ولا تجعلني أعود إلى ذنبٍ غفرتَه، ولا إلى قلبٍ لا يعرف طعم الانكسار بين يديك.
اللهم.. كما أخرجتني من بيتك وقلبي معلّق به، أحيني ما أبقيتني وقلبي معلّق بك، وأدخلني في بشراك التي وعدت بها عبادك الصادقين:
{لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.