هويدا المرشود
في موروثنا الذي لم تفتنُه المظاهر، كانت «الرزانة» حصناً، والبيوتُ أسراراً لا تُستباح؛ قاعدةٌ اجتماعية رصينة تحفظ للإنسان هيبته وللمجتمع قوامَه. أما اليوم، ونحن نركضُ في مضمار «العولمة الرقمية»، نكادُ نفقد تلك الشعرة الرفيعة التي تفصلُ بين مواكبة العصر وبين الابتذال الذي أذاب ملامح خصوصيتنا، وبعثر «حشمة» تفاصيلنا على أرصفة العابرين.
إن ما يشهده فضاؤنا اليوم يتجاوز فكرة التحول؛ إنه «انتحارٌ اختياري» لكل ما كان بالأمس محاطاً بسياجٍ من المهابة. لقد استُبدلت «الخلوة» بالضجيج، وصار المرءُ لا يهنأ بلقمته ولا يستلذُ بسكينة بيته حتى يمررها عبر عدسات الغرباء. كأننا في سباقٍ محموم لتبديد «المستور»، ظناً منا أن الحضور الرقمي هو صكُّ الوجود، بينما الحقيقة أن «الثقل» كان -ولا يزال- هو العملة الصعبة التي لا تبهت بمرور الوقت ولا تذوبُ في زحمة «الترند».
يا سادة،
الحياء ليس انكفاءً، والرزانة ليست جموداً؛ بل هي «ضبط جودة» لجوهر الإنسان. المشكلة تكمن في أننا استبدلنا الأثر الباقي ببريقٍ خاطف يقتاتُ على حساب سكينتنا. لقد تحولنا إلى «مادةٍ للعرض»، نكشفُ عن تفاصيلنا التي كانت بالأمس «ملاذاتٍ آمنة» لا يدخلها إلا الخواص، فأصبحت اليوم مشاعاً ينهبهُ كل عابرٍ خلف الشاشات.
إن المجتمع الذي يكسرُ جدران خصوصيته، يخسرُ بالضرورة هيبته الاجتماعية. فالجيل الذي ينشأ وهو يرى كل شيء «مباحاً للنشر»، سيعجزُ عن إدراك قيمة «السرية» وعظمة «الأنفة». نحن بحاجة لاستعادة تلك «الرصانة» التي ترى في الصمت حكمة، وفي الستر هيبة، وفي الثقل صنعةً تفرزُ الأصيل من البهرج الزائف.
المسألة ليست ممانعةً للزمن، بل هي محاولة صيانة لكرامتنا من الذوبان في قوالب «المعلب الاجتماعي». إننا نخشى من ذلك اليوم الذي تذوبُ فيه فرادتنا، لنصبح مجرد نسخٍ مكررة في عالمٍ بات يقدسُ «الصورة» ويغتالُ «المحتوى».
الهيبة لا تُبنى بأرقام المتابعين، والوقار لا يُصنع بفلاتر التحسين. الهيبة هي ذلك «المستور» الذي يمنحك التفرّد والخصوصية. فهل نعي أن أجمل ما فينا هو ما يظلُ بعيداً عن أعين الجميع؟ أم سنستمر في تبديد أنفسنا حتى نفقد آخر ذرة من جاذبيتنا؟