د. غانم علوان الجميلي
تفاجأ العالم بإعلان الرئيس الأمريكي ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو الحرب على إيران، وهي نتيجة وإن كانت متوقعة إلا أن القليل في الولايات المتحدة والعالم، بإستثناء نتنياهو كانوا يرغبون بالوصول إليها. لكنها حصلت، وعلى الجميع اليوم التفكير بنتائجها وتداعياتها الواسعة التي حسب، أو لم يحسب لها الذين اتخذوا قرار الحرب حساباً. وهي نتائج عديدة ولن تبقى محددة بحدود إيران فقط بل سوف تتجاوزها لتشمل الإقليم والعالم، ذلك لأن هذه الحرب ليست من النمط التقليدي للحروب التي تكون محصورة بين طرفين متنازعين يخرج أحدهما منتصراً والآخر خاسراً؛ فهي من نمط آخر لأن الآثار المترتبة عليها، أي الربح والخسارة، تتعدى الأطراف المتنازعة بشكل كبير.
لسنا هنا بصدد شرح تلك الآثار على الإقليم والعالم فهي عديدة جداً، لكننا نسعى إلى الوقوف عند جانب واحد وهو الوضع الذي يمكن أن تكون عليه إيران بعد أن تضع الحرب أوزارها. ولأن هذه الحرب على درجة عالية من التعقيد، فإن الأوضاع في إيران من الممكن أن تسير بعدة إتجاهات تختلف في احتمالية حصولها، وهذا ما سوف نتحدث عنه في السطور التالية.
الإيهام بالتفاوض:
قبل الحديث عن نتائج الحرب أو ما يسمى «صورة اليوم التالي» لإيران، لابد من التقديم لذلك بشرح واحدة من أهم خصائص هذه الحرب التي تميزها عن الصراعات والحروب التي عايشناها أو ربما درسناها في كتب التاريخ. نبدأ من القول بأن الحروب عامة هي محاولة تحقيق أهداف سياسية من خلال استخدام القوة العسكرية؛ لذلك تسعى الدول إلى تحقيق تلك الأهداف من خلال وسائل متعددة منها الإغراء والدبلوماسية، وأخيراً الإكراه من خلال الضغوط الإقتصادية والعسكرية قبل اللجوء إلى استخدام القوة التي تعتبر الخيار الأخير.
الإشكالية الأولى في هذه الحرب أن اللجوء إلى القوة لم يكن الخيار الأخير بل الخيار الوحيد عند الطرفين الإسرائيلي والأمريكي. يدل على ذلك أن الأهداف السياسية التي تم الإعلان عنها بدت غير واضحة ومرتبكة، وكانت تتغير بتغير المتحدث بين الرئيس ترامب ووزراء خارجيته وحربه والعديد من المسؤولين الذين تحدثوا عن الموضوع, بالإضافة إلى نتياهو الذي ذكر بأن هذه الحرب هي فرصة كان يحلم بها منذ أكثر من أربعين عاماً.
غياب السبب أو الأسباب المقنعة أدت إلى غياب التفويض بشن تلك الحرب لا بالطريق الدستوري من خلال تفويض الكونغرس الأمريكي, أو على الأقل من خلال التأييد الشعبي, إذ إن غالبية الشعب الأمريكي لا تريد الدخول في حرب مع إيران أو مع غيرها. ولذلك كان ولابد من إيجاد المبررات لشن الحرب، وكان أحد تلك الخيارات الإدعاء باللجوء إلى طاولة التفاوض.
العقبات التي وقفت أمام المفاوضات كثيرة، من أولها أن العملية التفاوضية بطبيعتها تحتاج إلى وقت طويل لكي تتبلور مواقف الأطراف حول حل وسط يرضي الجميع، فما بالك في مفاوضات تتعلق بمواضيع على غاية التعقيد مثل البرنامج النووي، وعملية التخصيب ومحاولة وضع حدود لها، والإتفاق على منظومة التفتيش والمراقبة، ومن يقوم بماذا، هذا إذا لم تتوسع المفاوضات لتشمل برنامج الصواريخ البالستية والأوضاع الإقليمية، كما هي رغبة الإدارة الأمريكية، أضف إلى ذلك الرغبة الإيرانية في الإستعجال برفع العقوبات الإقتصادية والضمانات التي يمكن أن تقدمها الولايات المتحدة بعدم نقض الإتفاق، كما حصل للإتفاق السابق الذي ألغاه ترامب بجرة قلم. وإذا لم يكن ذلك كافياً لإطالة أمد المفاوضات فما بالك بغياب أهم عنصر في أي إتفاق، وهو عامل الثقة بين الطرفين الذي يشكل الأساس لأي تعامل؛ لأن غيابه يجعل من التوصل إلى إتفاق عملية مضنية وطويلة بسبب سعي الطرفين لإبدال الثقة بالسعي للحصول على ضمانات تنفيذ الإلتزامات التي يتم الإتفاق عليها.
على الرغم من هذه العقبات، إلا أن العملية التفاوضية سارعت بوتيرة أسرع بكثير من المتوقع وكان الموقف الإيراني أقرب بكثير إلى الموقف الأمريكي مما كان متصوراً حيث أشارت العديد من التقارير إلى أن الجانب الإيراني قدم تصورات عملية للتعامل مع اليورانيوم عالي التخصيب وكان على استعداد لقبول وضع حدود لعملية التخصيب أو حتى التوقف عنها في المستقبل القريب ووضع جميع المنشئات النووية تحت رقابة منظمة الطاقة النووية الدولية. هذا التقدم في المفاوضات ربما كان أحد العوامل التي عجلت بإشعال فتيل الحرب خشية أن يحصل تقدم ملموس يجعل من الصعب تبرير اللجوء إلى القوة.
سيناريوهات تطور الأزمة مع إيران
لم يكن الإعداد لهذه الحرب كافياً من ناحية التعئبة الشعبية ولا الإستعداد لما يمكن أن تحمله من تداعيات، ولذلك فإن نتائجها المحسوبة والأهم من ذلك غير المحسوبة كبيرة جداً، وهي يمكن أن تظهر على شكل واحد من الاحتمالات الأربعة التالية:
1- إسقاط النظام وإبداله بآخر منسجم مع السياسات الأمريكية: هذا السيناريو هو الذي دلت عليه العديد من التصريحات التي أطلقها الرئيس ترامب من خلال دعوته الشعب الإيراني إلى الإمساك بزمام الأمور والنزول إلى الشوارع للاحتفال بالحرية التي وهبها لهم. يدعم هذا التوجه الفكرة العامة التي تقول بأن النظام الإيراني قد استنفد أغراضه ولم يعد يتوافق مع منظومة المنطقة الأمنية التي تسعى الولايات المتحدة إلى تشكيلها وتشمل دول الإقليم وإسرائيل، وذلك في سبيل إحكام قبضتها على المنطقة والحد من النفوذ الإقتصادي والسياسي للصين وروسيا.
الإشكاليات التي تقف أمام هذا السيناريو عديدة ،ومن أهمها: أن الطريقة التي أدارت فيها إسرائيل والولايات المتحدة الحرب, لم تكن تدعم هذه الدعاوي، وفي مقدمتها استهداف القيادة العليا للنظام ممثلة بالمرشد الأعلى علي خامنئي, وهي العملية التي جعلت منه شهيداً في أعين أعداد كبيرة من الناس في إيران, ثم جاء إستهداف مدرسة إبتدائية للبنات في الساعات الأولى للحرب وذهب ضحيتها أكثر من 150 نفس أغلبهم من الطالبات؛ مما دفع بالآلاف إلى الإحتشاد في ساحة فلسطين وسط طهران وهم يهتفون بالموت لأمريكا وإسرائيل. لذلك نعتقد أن المعطيات الحالية ربما تكون قد تجاوزت هذا السيناريو، إلا إذا حصل ما ليس في الحسبان.
2- سيناريو البلقنة وتقسيم إيران: إيران دولة محورية وتمتلك موارد بشرية وإقتصادية كبيرة بالإضافة إلى موقع إستراتيجي مهم للغاية وتأريخ عريق. هذه العوامل تجعل منها دولة قوية بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي؛ لذلك فإن الطريق الأسلم للتعامل معها هو بتقسيمها على إسس عرقية ودينة إلى دويلات ضعيفة ومتصارعة فيما بينها يمكن من خلال ذلك الوصول إلى الموارد الطبيعية من نفط وغاز ومعادن. العائق المهم الذي يقف أمام هذا السيناريو هو أن معظم الأقليات الموجودة في إيران ليس لها إرث سياسي في الزمن القريب الأمر الذي يجعل من الصعوبة إقامة أنظمة سياسية قادرة على إدارة تلك المناطق.
3- سيناريو الدولة الضعيفة على النموذج العراقي: هذا السيناريو يقوم على فرضية بقاء النظام، ولكنه بدون الكثير من أدوات القوة التي يمتلكها، وخصوصاً القوى الأمنية الداخلية التي تمكنه من فرض السيطرة على البلاد، بالإضافة إلى ضعف الإقتصاد وهي عوامل سوف تدفع بالأقليات التي تشكل الفسيفساء السكانية في إيران مثل الفرس والآذريين والكرد واللور والعرب والبلوش وغيرهم، إلى العمل على توفير المستلزمات الأساسية للسكان وإستغلال حالة التهميش التي تعاني منها العديد من الطوائف في إثارتهم ضد السلطة المركزية، وقد أشارت تقارير صحفية إلى بعض الجهود التي تبذلها المخابرات الأمريكية في تشجيع الأكراد على النهوض ضد السلطة المركزية، وهذا يفسر الغارات الصاروخية المتعددة على كردستان العراق التي يخشى النظام من أن تشكل قاعدة إنطلاق للأكراد في إيران. حدوث مثل هذا السيناريو سوف يكون من سخريات القدر لأن حكومة إيران ساهمت مساهمة فاعلة في تحقيق مشروع التقسيم الطائفي المزيف للعراق، ولم تكن تعلم أن الدائرة سوف تدور عليها.
4- سيناريو الدولة الفاشلة حسب النموذج الليبي: السيناريو الأخير يقوم على فرضيات عديدة من أهمها سقوط النظام أو خروجه من الحرب منهاراً نتيجة تدمير القدرات العسكرية والأمنية، وتخريب البرامج النووية والصاروخية تضعف من قدرة النظام على السيطرة على جميع البلاد، وفي غياب البديل السياسي المقبول أمريكيا.
لذلك يصار إلى إدخال البلاد في دوامة من الفوضى والفشل يتحكم فيها تجار الحرب، ويكون الوصول إلى الموارد الطبيعية مثل النفط والغاز والمعادن من خلالهم والى حين وصول الأمور إلى الحالة المطلوبة.
5- سيناريو الإحتواء على النموذج الكوري الشمالي: هناك دلائل تشير إلى أن إستراتيجية تغيير النظام، هذا إذا كانت هي في الحقيقة الإستراتيجية التي كانت الولايات المتحدة تسعى إليها قد بنيت على افتراضات غير واقعية، وهي تشبه والى حد كبير تلك الفرضيات حول غزو العراق واستقبال العراقيين للقوات الغازية بالورود.
لذلك وفي غياب القدرة على تغيير النظام، فإن صمود النظام سوف يمنحه زخماً شعبياً؛ لذلك سوف تسعى الولايات المتحدة إلى وضع إستراتيجية أمنية للمنطقة تقوم على احتواء النظام الإيراني تشمل دول الخليج وإسرائيل والعراق وسوريا والأردن ولبنان، بالإضافة إلى باكستان وأفغانستان وأرمينيا وأذربيجان، تكون على شاكلة والى حد كبير إستراتيجية احتواء النظام الكوري الشمالي الذي يمتلك أسلحة دمار شامل وصواريخ بالستية. ومما يدفع بهذه الفرضية الضربات الصاروخية من إيران التي شملت معظم تلك الدول.
خلاصة القول، أنه ليس من السهل التنبؤ بدقة بما ستؤول إليه الأمور؛ لأن هذه الحرب غير التقليدية تسير بمسارات غير واضحة، ولأن ما يخفى منها أكبر بكثير من الظاهر، لكن أغلب الدلائل الآن تشير إلى أن سيناريو الإحتواء هو الأرجح مع عدم إلغاء الإحتما لات الأخرى التي يمكن أن تتقدم أو تتأخر بحسب التطورات في ميادين الحرب العديدة، ومنها العسكري والسياسي والإقتصادي.
بمناسبة الحديث عن المجال الإقتصادي فإن هناك معركة عض أصابع بين الطرفين فإسرائيل وأمريكا تعولان كثيراً على أن إنهيار الإقتصاد الإيراني سوف يدفع بالملايين إلى الشوارع مطالبين بسقوط النظام، في المقابل تراهن إيران على أن حرمان العالم من نفط الخليج الذي يشكل 40 % من صادرات النفط العالمي، ناهيك عن الغاز قد يحدث صدمة كبيرة بالنسبة للاقتصاد العالمي من شأنها أن تدفع بالرئيس الأمريكي، الذي لا يحب الحروب الطويلة أو نشر الديمقراطية، نحو إعلان النصر في وقت قريب وقبل دون إنهاء المهمة التي أعلن عنها، وهي تغيير النظام وتدمير قدراته النووية والصاروخية وإنهاء دوره الإقليمي,، وعند ذاك سوف يتم الإنتقال من إستراتيجية التغيير إلى الإحتواء من خلال فرض الحصار الإقتصادي والعسكري، ووضع الترتيبات الأمنية مع دول المنطقة لإتمام العملية، وإن غداً لناظره قريب.