إبراهيم بن يوسف المالك
أعاد أحد اللقاءات الإعلامية الأخيرة مع وكيل وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية للتنمية المجتمعية، أ. أحمد الماجد، تسليط الضوء على التحول الذي تشهده المملكة في مفهوم التنمية المجتمعية ضمن إطار رؤية 2030. لم يكن الحديث مجرد عرض لبرامج أو مبادرات، بل إشارة إلى تحول أعمق في طريقة التفكير حول دور المجتمع نفسه في عملية التنمية. فالفكرة لم تعد محصورة في تقديم الدعم أو إطلاق مبادرات موسمية، بل في بناء قدرة مستدامة داخل المجتمع تمكنه من أن يكون شريكاً حقيقياً في إنتاج الحلول.
هذا التحول يعكس انتقالاً مهماً من نموذج الدعم المباشر إلى نموذج التمكين. في النموذج التقليدي كانت التنمية المجتمعية تُختزل غالباً في برامج الإعانة أو المبادرات الخيرية التي تستجيب لاحتياج محدد في لحظة زمنية معينة. أما في نموذج التمكين فإن التركيز ينتقل من معالجة الأثر المباشر للمشكلة إلى معالجة بنيتها العميقة. الفارق هنا ليس فقط في طبيعة البرامج، بل في الفلسفة التي تقود العمل التنموي بأكمله.
حين تُبنى السياسات التنموية على فكرة سد الاحتياج، يصبح المجتمع في موقع المتلقي. أما حين تُبنى على فكرة بناء القدرة، فإن المجتمع يتحول تدريجياً إلى شريك في صناعة الحلول. هذه النقلة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها في الواقع تفرض تحولات عميقة في تصميم البرامج الحكومية، وفي طبيعة عمل القطاع غير الربحي، وفي دور القطاع الخاص في المشاركة في التنمية المجتمعية.
التحول الذي تشهده المملكة اليوم يعكس محاولة واعية لإعادة تعريف العلاقة بين القطاعات الثلاثة: الحكومة، والقطاع الخاص، والقطاع غير الربحي. ففي كثير من النماذج التقليدية كانت التنمية المجتمعية تُدار من خلال مبادرات منفصلة تقوم بها جهات مختلفة دون إطار تنسيقي واضح. أما اليوم فإن الرؤية تسعى إلى بناء منظومة تنموية متكاملة تقوم على التكامل بين هذه القطاعات. الحكومة توفر الإطار التنظيمي والاستراتيجي، والقطاع الخاص يساهم بالموارد والاستثمارات الاجتماعية، بينما يعمل القطاع غير الربحي كحلقة وصل بين هذه الجهود والمجتمع.
هذا التحول نحو العمل المنظومي يمثل أحد أهم عناصر الاستدامة في أي مشروع تنموي. فالمبادرات الفردية مهما كانت ناجحة تظل محدودة الأثر إذا بقيت منفصلة عن بقية الجهود. أما عندما تُبنى التنمية المجتمعية كجزء من منظومة متكاملة، فإن الأثر يصبح أكثر عمقاً واستمرارية. ولهذا السبب أصبح مفهوم الشراكات بين القطاعات أحد الركائز الأساسية في الخطاب التنموي المعاصر في المملكة.
كما أن التحول نحو التمكين يفرض بدوره إعادة تعريف دور القطاع غير الربحي. ففي الماضي كان هذا القطاع يرتبط في أذهان كثيرين بالعمل الخيري التقليدي. أما اليوم فإن دوره يتجاوز ذلك ليصبح شريكاً في التنمية، قادراً على تصميم مبادرات تنموية وبناء برامج طويلة الأمد تستهدف تعزيز القدرة المجتمعية. وهذا يتطلب بدوره رفع مستوى الحوكمة والاحترافية داخل المؤسسات غير الربحية، وتعزيز قدرتها على قياس الأثر الحقيقي لمبادراتها.
من هنا تبرز أهمية مفهوم قياس الأثر الذي أصبح محوراً أساسياً في العمل التنموي الحديث. فالمبادرة لم تعد تُقيّم بعدد المستفيدين أو حجم الإنفاق عليها فقط، بل بمدى قدرتها على إحداث تغيير ملموس ومستدام في حياة الأفراد والمجتمعات. هذه المقاربة تعكس تحولاً من التركيز على النشاط إلى التركيز على النتائج، ومن قياس الجهد المبذول إلى قياس الأثر المتحقق.
لكن الانتقال من نموذج الدعم إلى نموذج التمكين لا يحدث بين ليلة وضحاها. فبناء القدرة المجتمعية عملية طويلة الأمد تتطلب استثماراً مستمراً في التعليم والتدريب وبناء المهارات، كما تتطلب تغييراً تدريجياً في ثقافة المجتمع نفسه. فالمجتمعات التي اعتادت على نمط معين من العلاقة مع المؤسسات تحتاج إلى وقت لتتكيف مع الأدوار الجديدة التي يفرضها نموذج التمكين.
في هذا السياق يمكن فهم التحولات الجارية في المملكة باعتبارها محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس أكثر استدامة. فالتنمية لم تعد تُقاس فقط بمؤشرات النمو الاقتصادي، بل أيضاً بمدى قدرة المجتمع على المشاركة في صناعة هذا النمو والاستفادة منه. وهذا يتطلب تعزيز ثقافة المبادرة والعمل التطوعي وريادة الأعمال الاجتماعية، بحيث يصبح المجتمع نفسه جزءاً من منظومة التنمية وليس مجرد متلقٍ لنتائجها.
إن التجارب الدولية تظهر أن المجتمعات الأكثر قدرة على تحقيق تنمية مستدامة هي تلك التي تنجح في إيجاد توازن بين الدعم والتمكين. فالدعم يظل ضرورياً في بعض الحالات، خصوصاً عند التعامل مع الفئات الأكثر احتياجاً أو في أوقات الأزمات. لكن تحويل الدعم إلى استراتيجية دائمة يؤدي غالباً إلى إضعاف القدرة المجتمعية على الاعتماد على الذات. أما التمكين فيسعى إلى معالجة جذور المشكلة من خلال بناء القدرات وإتاحة الفرص.
من هنا يمكن القول إن التحول في مفهوم التنمية المجتمعية في المملكة لا يمثل مجرد تطوير في السياسات أو البرامج، بل يعكس تحولاً أعمق في الفلسفة التنموية نفسها. إنه انتقال من معالجة الأعراض إلى معالجة الأسباب، ومن مبادرات متفرقة إلى منظومات متكاملة، ومن قياس الجهد إلى قياس الأثر. وإذا نجحت هذه المقاربة في ترسيخ نفسها على المدى الطويل، فإنها قد تقدم نموذجاً مهماً لكيفية توظيف العمل المجتمعي كأحد أدوات التنمية الوطنية الشاملة.