د. محمد بن إبراهيم الملحم
يتجه التعليم في السعودية بصورة متزايدة نحو ربط المعرفة العلمية بالابتكار التطبيقي. ظهر هذا الاتجاه بوضوح في مشاركة طلابنا في معرض الدفاع العالمي World Defense Show، وفي رعاية وزارة التعليم مشكورة بمشاركتهم في منافسة ديفنسثتون Defensathon Challenge والتي تشجع الطلبة حول العالم على تطوير حلول تقنية مرتبطة بالتحديات الدفاعية، ويمثل تحدي ديفنسثون انتقالًا من المشاهدة إلى الإنتاج، فالفكرة تقوم على تشجيع الطلبة على تصميم حلول تقنية لمشكلات واقعية، قد تكون هذه الحلول نماذج أولية لأنظمة تقنية مبتكرة، أو تطبيقات للمراقبة الذكية، أو برامج ذكاء اصطناعي لتحليل البيانات الأمنية، وفي هذه البيئة يتعلم الطالب مهارات التصميم الهندسي والعمل الجماعي والتفكير الابتكاري، وهو نموذج يتوافق مع الاتجاه العالمي في تعليم ستيم STEM، ولابد أن نذكر أن كثيراً من الجامعات والمؤسسات المهتمة في الدول المتقدمة تعتمد على المسابقات التقنية والمختبرات الابتكارية لاكتشاف المواهب الشابة، فهذه المسابقات تعمل كمنصة لاختبار الأفكار الجديدة وتحويلها إلى مشاريع قابلة للتطوير
هذه المبادرات تمثل نموذجًا لانتقال التعليم إلى الإنتاج المعرفي وأهمية هذا التوجه تتضح أكثر عند النظر إلى البيئة الإقليمية، فمنطقة الخليج تعيش منذ سنوات توترات متكررة مرتبطة بالصراع مع إيران وهذه التوترات لا تقتصر على المواجهات التقليدية، بل تشمل أيضًا مجالات الحرب السيبرانية والطائرات المسيّرة والأنظمة الصاروخية الدقيقة، وهذا النوع من الصراعات يعتمد بدرجة كبيرة على المعرفة العلمية والتفوق التقني، وفي الحروب الحديثة أصبح التفوق التكنولوجي عاملًا حاسمًا، فالأنظمة غير المأهولة (مثل المسيرات والصواريخ)، والذكاء الاصطناعي العسكري، وتحليل البيانات الضخمة، والأمن السيبراني كلها تشكل اليوم جزءًا أساسيًا من منظومات الهجوم والدفاع، وهي تقنيات لا تنشأ في المصانع العسكرية فقط بل جذورها تبدأ في الجامعات ومراكز البحث وفي برامج تعليم العلوم والهندسة، ولذلك وضمن هذا السياق يصبح إشراك الطلبة في بيئات الابتكار خطوة مهمة.
ومعرض الدفاع العالمي لايقدم للطلاب مجرد فرصة مشاهدة التقنيات الحديثة، بل يتيح لهم الاحتكاك المباشر بالخبراء والشركات المتخصصة، وهذا الاحتكاك يساعد على توسيع تصور الطالب حول المسارات المهنية الممكنة في المجالات العلمية والتقنية المرتبطة بمجال الدفاع الجوي عن الوطن الغالي.
وأعتقد أن القيمة الإستراتيجية لهذه المبادرات في المنطقة أكبر من بعدها التعليمي، فالدول التي تسعى إلى تعزيز أمنها لا تعتمد فقط على شراء التقنيات من الخارج، بل تحتاج إلى قاعدة بشرية قادرة على تطوير التقنيات وتشغيلها وتحسينها، وبناء هذه القاعدة يبدأ من مراحل التعليم المبكرة عبر اكتشاف المواهب العلمية ورعايتها، ومن هنا تظهر أهمية وجود منظومة متكاملة لاكتشاف الموهوبين في المجالات التقنية، وأرى أن هذه المسابقات (مثل ديفنسثون) يمكن أن تكون نقطة البداية، لكنها تحتاج إلى مسار مؤسسي يستوعب هذه المواهب ويمنحها فرص التطور، فالطالب الذي يقدم فكرة مبتكرة في مسابقة تقنية من الأفضل أن يجد أمامه مسارا واضحًا لمواصلة العمل على فكرته، والتي قد تبدوا بسسيطة اليوم لكنها تنمو عبر السنوات مع نمو معرفة الطالب وفهمه وتمكنه من مزيد من المهارات لتصبح ابتكارا حقيقيا ينزل في الميدان ويحقق فرقاً مهماً.
وفي هذا الإطار أوجه دعوة إلى الجامعات السعودية وإلى الجهات المعنية بالصناعات الدفاعية، وفي مقدمتها وزارة الدفاع لتبني أفضل المواهب التي تظهر في مثل هذه المنافسات وهو ما يمكن أن يأخذ عدة صور عملية أولها إنشاء برامج احتضان للمشاريع الطلابية الواعدة.
حيث توفر هذه البرامج للطلبة المختبرات المتقدمة والإشراف العلمي والتمويل الأولي لتطوير أفكارهم إلى نماذج أولية قابلة للتطبيق المبدئي، وثانيًا، تقديم منح دراسية متخصصة للطلاب الذين يثبتون قدرة عالية في الابتكار التقني، هذه المنح يمكن أن تركز على مجالات مثل المسيرات والروبوتات، والأمن السيبراني، وهندسة الأنظمة غير المأهولة، والذكاء الاصطناعي العسكري. وثالثًا، بناء مسارات مهنية واضحة تربط بين هذه البرامج التعليمية وبين فرص العمل المستقبلية في القطاعات التقنية والدفاعية، وعندما يدرك الطالب (وكذلك أسرته) أن جهوده الابتكارية يمكن أن تقوده إلى دور مهني مهم (وواضح) في خدمة بلده، فإن ذلك سوف يشكل دافعًا قويًا لمواصلة التميز العلمي في نفس المسار دون أي تشتت. إذا نجحت الجامعات والجهات العسكرية في بناء هذا الجسر بين التعليم والابتكار والصناعة العسكرية، فإن مبادرات مثل معرض الدفاع العالمي وتحدي ديفنسثون يمكن أن تتحول من فعاليات مؤقتة إلى منظومة مستدامة لإنتاج المعرفة التقنية. هذه المنظومة لن تخدم الاقتصاد فقط، بل ستعزز أيضًا قدرة الدولة على مواجهة التحديات الأمنية في منطقة تتغير موازين القوة فيها بسرعة.
وإنه من نافلة القول أن أضيف أن هذا النوع من الرعاية المبكرة للمواهب أثبت نجاحه في كثير من الدول المتقدمة، فشركات التكنولوجيا الكبرى غالبًا ماتكتشف موظفيها المستقبليين عبر المسابقات العلمية والبرامج الجامعية، ولم يعد خافيا أبدا اليوم أن الاستثمار في العقول الشابة هو أحد أكثر الاستثمارات جدوى على المدى الطويل، والتقنيات التي تشكل مستقبل الأمن والدفاع لن تأتي فقط من المختبرات العسكرية المغلقة، ولا يجب أن تستمر من الخارج بل ستأتي أيضًا من أفكار مبتكرة يولدها طلاب البلاد الموهوبون الذين وجدوا البيئة المناسبة والتشجيع الكبير لتطوير قدراتهم.
** **
- مدير عام تعليم سابقاً