عبدالكريم بن دهام الدهام
في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتبدل فيه الأولويات، يبقى القرآن الكريم النور الذي لا يخبو، والمرجع الذي تهتدي به القلوب قبل العقول، ومن هذا المنطلق المبارك، يأتي إطلاق مسابقة الأمير نايف بن عبدالعزيز -رحمه الله- لحفظ القرآن الكريم لمنسوبي ومنسوبات القطاعات الأمنية في مختلف مناطق المملكة، مبادرةً تحمل في طياتها معاني الوفاء، وتجدد العهد مع كتاب الله، وتؤكد أن الأمن الحقيقي يبدأ من إيمان راسخ وقلبٍ عامر بالقرآن.
لقد كان نايف بن عبدالعزيز آل سعود شخصيةً استثنائية في تاريخ العمل الأمني في المملكة، ليس فقط بما قدمه من جهود عظيمة في قيادة وزارة الداخلية لسنوات طويلة، بل أيضاً بما عُرف عنه من عناية صادقة بكتاب الله، وحرص دائم على دعم البرامج والمبادرات التي تعزز حفظه وتلاوته وتكريم أهله.
كان -رحمه الله- يؤمن إيماناً عميقاً بأن القرآن الكريم هو أساس بناء الإنسان الصالح، وأنه الحصن المنيع الذي يحفظ الفكر من الانحراف، ويغرس في النفوس قيم الاعتدال والاستقامة.
ومن هنا، تأتي هذه المسابقة لتكون رسالة وفاء لذكراه، وتخليداً لنهجه الذي ربط بين قوة الدولة وقوة الإيمان، إنها ليست مجرد منافسة لحفظ الآيات، بل هي رحلة روحانية تعيد القلوب إلى مصدر الطمأنينة، وتمنح رجال ونساء الأمن فرصةً ليجمعوا بين شرف خدمة الوطن وشرف حفظ كتاب الله.
وتقام هذه المسابقة للمرة الأولى بجوائز مالية يبلغ مجموعها ثلاثة ملايين ريال، موزعة على خمسة أفرع، في خطوة تعكس حجم الاهتمام والدعم الذي توليه القيادة الرشيدة لكل ما يتعلق بالقرآن الكريم وأهله. وهي جوائز لا تقاس بقيمتها المادية فحسب، بل بما تحمله من تقديرٍ عظيم لحفظة كتاب الله، وتحفيز نبيل لكل من يسعى إلى تشريف قلبه بحفظ كلام الله.
وقد انطلقت هذه المسابقة يوم الأحد الفائت، لتبدأ معها لحظات مميزة يتردد فيها صدى الآيات في القلوب قبل القاعات، حيث يتنافس المشاركون في تلاوة خاشعة وحفظ متقن، في أجواء يسودها الاحترام والتقدير لكلام الله العظيم.
كما تأتي هذه المبادرة امتداداً لنهج المملكة العربية السعودية الراسخ في خدمة القرآن الكريم منذ عهد المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه-، الذي وضع الأساس لدولة جعلت من كتاب الله دستوراً ومنهج حياة. واستمر هذا النهج عبر الأجيال حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وبدعم ومتابعة من سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظهما الله-، حيث تتواصل الجهود المباركة في دعم المشاريع القرآنية، وتشجيع حفظه وتعليمه ونشره في الداخل والخارج.
وما يزيد هذه المسابقة شرفاً أنها تقام برعاية حفيد الأمير نايف -رحمه الله-، عبدالعزيز بن سعود بن نايف آل سعود وزير الداخلية، في صورة مؤثرة تعكس استمرارية القيم ذاتها عبر الأجيال؛ قيم الإيمان، وخدمة الوطن، وتعظيم كتاب الله.
إن هذه المسابقة ليست حدثاً عابراً، بل هي رسالة عميقة مفادها أن رجال الأمن الذين يحمون حدود الوطن ويحفظون أمنه، يحملون في قلوبهم أيضاً نور القرآن وهديه. فحين يجتمع الأمن مع الإيمان، تتعزز قوة المجتمع، ويترسخ الاستقرار على أساسٍ من القيم الراسخة والمبادئ النبيلة.
وهكذا تظل المملكة، قيادة وشعباً، ماضيةً في طريقها المبارك لخدمة كتاب الله، مؤمنةً بأن أعظم استثمار هو الاستثمار في الإنسان المؤمن، الذي يحمل القرآن في صدره، ويترجمه سلوكاً وعدلاً ورحمة في حياته. وفي هذه المسابقة، تتجدد القصة الجميلة بين الوطن وكتاب الله، قصة وفاء لا تنتهي، ونور يضيء الطريق للأجيال القادمة.