صالح الشادي
في خضم الصراع الذي يشهده الشرق الأوسط، تقف دول الخليج العربي اليوم على مفترق طرق مصيري. الحرب الأمريكية - الإسرائيلية - الإيرانية، التي تتكشف فصولها أمام أعين العالم، لم تَعُد مجرد صراع عابر أو مواجهة حدودية محدودة، بل هي حرب نفوذ وسيطرة بامتياز، تتكشف أهدافها يوماً بعد يوم، ولا يخفى على ذي بصيرة ظاهرها ولا باطنها.
لقد حاولت دول الخليج، منذ اللحظات الأولى لهذا التصعيد الخطير، أن تنأى بنفسها عن دائرة الصراع الملتهبة. راهنت على الحياد، وعلى قوة مواقفها السياسية، وعلى قدرتها في الدفاع عن أراضيها وسيادتها. لكن ما كشفت عنه هذه الحرب، وبصورة لا تخطئها عين، هو أن الحياد في معادلات النفوذ الكبرى لا يمكن لأحد السيطرة عليها عندما تشتعل النيران على أبواب الدار.
وإذ دافعت دول الخليج بكل قوة عن مواقفها وأراضيها، كانت ردود بعض الجهات العربية الأخرى - للأسف - مخيبة للآمال، إن لم نقل صادمة. مشاهد التخاذل أو المناورة على حساب الدماء والمصير الواحد أعادت إلى الأذهان مقولة شهيرة: «لن تجد قوة في التفرق، ولن تضعف في الوحدة». ولكن، كما يقال، «رب ضارة نافعة»، فمن رحم هذه الخيبات يولد اليقين، ومن عمق الأزمات تتشكل الحكمة الجماعية.
إن دول الخليج ستتعلم من هذا الدرس القاسي درساً لن تنساه: أن الأمر لم يعد يتعلق بصراعات هامشية أو مناورات دبلوماسية، بل أضحى وجودياً بامتياز. عندما اندلعت الحرب، لم يفكر أحد حقاً بهذه الدول المسالمة، ولا بمقدار الخطر الذي سيلحق بها، لا من الشرق ولا من الغرب. لقد كانت مجرد أرقام في معادلات القوى الكبرى، أو ساحة لتسوية حسابات لا علاقة مباشرة لها بها.
وهنا يبرز السؤال الأهم: إلى متى يبقى الخليج رهينة لمتغيرات لا يتحكم فيها؟ إلى متى تظل ثرواته ومقدراته عرضة للاستهداف من أي عابر سبيل في صراعات الإقليم؟
لأنها حرب مصالح بامتياز، ولأن الأطماع لن تنتهي بانتهاء هذه الجولة، ولأن التاريخ يسطر اليوم ما سيكون عبرة للأجيال القادمة، فإنه لا بد لدول الخليج أن تنهض اليوم، ليس فقط لردع الخطر المباشر، بل لخلق صياغة جديدة لمفاهيم الوحدة والقوة والدفاع عن الأرض والشعب والمقدرات.
ربما حان الوقت للانتقال من مرحلة «التنسيق الخليجي» إلى مرحلة الاتحاد العربي الخليجي، على غرار الاتحاد الأوروبي. اتحاد يتجاوز التكتلات الفضفاضة إلى كيان جامع، بجيش موحد، وسياسة خارجية موحدة، واقتصاد متكامل. اتحاد يجعل من مساحة الخليج كتلة واحدة صلبة، لا يمكن اختراقها أو تهديدها.
مثل هذا الاتحاد سيجعل المنطقة أكثر قوة وصلابة وهيبة. سيكون قادراً على خلق حالة من التوازن الحقيقي في المنطقة، ليس كطرف في الصراع، بل كقوة مستقلة تحمي مصالحها، وتملي شروطها، وتصون سيادتها. قوة لا تنتظر من يحميها، بل تمتلك أدوات الردع التي تجعل أي معتدٍ يفكر ألف مرة قبل الاقتراب منها.
إن الخطر لن ينتهي، والأطماع قائمة، والتاريخ يسجل. لكن مستقبل الأمن الوجودي لهذه الدول لن يصنعه الآخرون، بل ستصنعه إرادة أبنائها في لم الشتات، وتحويل الجغرافيا الواحدة إلى قدر مشترك، والمصير الواحد إلى حقيقة معاشة.
الوحدة لم تكن يوماً ترفاً سياسياً، بل كانت دائماً ضرورة وجودية. ولعل نيران هذه الحرب تكون الشرارة التي تشعل في النفوس شعلة الاتحاد المنشود.