د. عيسى محمد العميري
تحولت الحرب الحالية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، إلى حرب مفتوحة تحمل في طياتها تداعيات تتجاوز حدود الدول المتحاربة لتطال مجمل منطقة الشرق الأوسط والعالم، فما بدأ بضربات عسكرية مركزة سرعان ما تحول إلى مشهد أكثر تعقيداً، يعكس حجم التراكمات السياسية والعسكرية التي ظلت تتصاعد طوال السنوات الماضية. هذه الحرب لم تأتِ من فراغ، بل جاءت نتيجة سلسلة طويلة من التوترات والرسائل العسكرية غير المباشرة، قبل أن تنفجر المواجهة بشكل مباشر، لتفتح فصلاً جديداً من الصراع الذي يعيد رسم ملامح التوازنات في المنطقة. لكن ما يميز هذه الحرب عن غيرها من الأزمات السابقة، هو سرعتها وتأثيرها المباشر على مختلف القطاعات الحيوية، فمنذ الأيام الأولى للتصعيد، بدأت أسواق الطاقة العالمية تشعر بارتدادات الصراع، خصوصاً مع تصاعد المخاوف المرتبطة بأمن الملاحة في مضيق هرمز (وهو ما نعيشه حالياً) الذي يمثل شرياناً حيوياً لتجارة النفط العالمية. ومع كل تطور عسكري جديد، كانت الأسواق تترقب بقلق احتمال اتساع دائرة المواجهة، الأمر الذي انعكس في ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد التوتر في الأسواق المالية. غير أن التأثير الاقتصادي ليس سوى وجه واحد من وجوه هذه الأزمة، فالجانب الاجتماعي والإنساني للصراع لا يقل خطورة، إذ يعيش الملايين في المنطقة حالة من الترقب والقلق في ظل تصاعد الحديث عن احتمالات توسع الحرب، فالمجتمعات التي تقع في محيط هذا الصراع تدرك جيداً أن أي تصعيد إضافي قد ينعكس مباشرة على حياتها اليومية، سواء من خلال اضطراب حركة التجارة والسفر، أو من خلال ارتفاع تكاليف المعيشة نتيجة التقلبات الاقتصادية. كما أن استمرار الحرب يحمل في طياته مخاطر أعمق تتعلق بالاستقرار الإقليمي. فالشرق الأوسط منطقة شديدة الحساسية لأي تحول عسكري كبير، وأي مواجهة طويلة الأمد قد تفتح الباب أمام جبهات جديدة للصراع، أو تدفع أطرافاً إقليمية أخرى إلى الانخراط في المواجهة، وهو ما قد يؤدي إلى إعادة تشكيل خريطة التحالفات السياسية والعسكرية في المنطقة، وفي المقابل فإن استمرار العمليات العسكرية لفترة طويلة قد يقود إلى حالة من الاستنزاف المتبادل بين الأطراف المتحاربة، وهو سيناريو يحمل تكاليف اقتصادية وسياسية باهظة تطال الجميع، كما أن استمرار التوتر سيبقي أسواق الطاقة والتجارة العالمية تحت ضغط دائم، الأمر الذي قد ينعكسعلى الاقتصاد العالمي بأكمله، ومع ذلك، فإن أخطر ما في هذه الحرب ليس فقط ما يحدث اليوم، بل ما يمكن أن تتركه من آثار طويلة الأمد على مستقبل المنطقة. فالحروب الكبرى غالباً ما تعيد تشكيل موازين القوى وتخلق واقعاً سياسياً جديداً قد يستمر لعقود، لذلك، تبدو المرحلة الحالية لحظة مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط؛ لحظة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية، وتتقاطع فيها طموحات القوى الإقليمية مع مصالح القوى الدولية، وبينما تتواصل المواجهات على الأرض، يبقى الأمل معقوداً على أن تنجح الجهود السياسية والدبلوماسية في وقف دوامة التصعيد، قبل أن تتحول هذه الحرب إلى أزمة أوسع قد يصعب احتواؤها. والله خير الحافظين.
** **
- كاتب كويتي