د. طلال الحربي
صدر بيان وزارة الخارجية ولم يكن مفاجئاً في توقيته، لكنه كان حاسماً في لغته. وزارة الخارجية السعودية لم تترك مساحةً للتأويل حين جدّدت إدانتها القاطعة للاعتداءات الإيرانية، وأكدت حق المملكة الكامل في اتخاذ كل ما يلزم لحماية أمنها وسيادتها. هذا النوع من البيانات لا يُكتب للاستهلاك الإعلامي - يُكتب لرسم خطوط لا ينبغي تجاوزها.
ما يحدث في المنطقة اليوم ليس مجرد توترات عابرة. هو نمط ممنهج، يتكرر بأشكال مختلفة منذ سنوات: استهداف للبنية التحتية المدنية، ضرب للمطارات والمنشآت النفطية، وادعاءات تتبخر حين تواجَه بالحقائق.
البيان السعودي كشف بوضوح أن إيران تبرر اعتداءاتها بحجج واهية لا تصمد أمام الوقائع، وآخرها الادعاء بأن طائرات سعودية شاركت في ضربات حربية، بينما الحقيقة الموثقة أن تلك الطائرات كانت تؤدي مهام مراقبة لحماية أجواء المملكة ودول مجلس التعاون من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية ذاتها.
هذه ليست تفاصيل هامشية. من يخترع المبررات يكشف عن نفسه قبل أن يكشف عن خصمه.
ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح: لمصلحة من يتوسع هذا التصعيد؟ المنطقة أمضت سنوات تحاول أن تلملم جراحها - اتفاقيات، مصالحات، انفتاح اقتصادي، مشاريع تنموية ضخمة. كل هذا يحتاج استقراراً، ويُبنى على هدوء. الاعتداءات الإيرانية المتواصلة تضرب هذا المسار في الصميم، وتُعيد المنطقة إلى دوامة لا يخرج منها أحد رابحاً.
المملكة العربية السعودية أثبتت في أكثر من محطة أنها لا تبحث عن الصدام بل عن السلام. المصالحة مع إيران عام 2023 كانت دليلاً على ذلك، وكانت المملكة طرفاً أصيلاً فيها بإرادتها. لكن المصالحة لا تعيش في اتجاه واحد، ولا يمكن لدولة أن تمد يدها للحوار بينما الطرف الآخر يوجّه صواريخه نحو منشآتها. بيان الخارجية كان صريحاً: الاعتداءات المتواصلة تعني مزيداً من التصعيد، وإيران ستكون الخاسر الأكبر في دائرة توسيع لم تحسب عواقبها جيداً.
من الناحية العسكرية والاستراتيجية، ما تفعله إيران يشبه من يُشعل النار في غرفة مغلقة ظناً منه أنه يتحكم في اتجاهها. الصواريخ والمسيّرات لا تعترف بالحدود التي يرسمها أصحابها، والتصعيد متى انطلق يصعب تحديد سقفه. الدول الكبرى التي تمر سفنها ومصالحها من هذه المنطقة لن تقف متفرجة إلى ما لا نهاية، والضغط الدولي الذي تتحمله إيران جراء هذا السلوك يتراكم ويُثقل كاهلها اقتصادياً وسياسياً يوماً بعد يوم.
الرسالة السعودية في جوهرها بسيطة وعميقة في آنٍ واحد: نحن لا نريد حرباً، لكننا لن نتنازل عن حقنا في الدفاع عن أرضنا وأمن من يعيش عليها. وما يقوم به الجانب الإيراني حالياً لا يغلب الحكمة ولا المصلحة، في تجنب توسيع دائرة التصعيد الذي ستكون إيران الخاسر الأكبر فيه.
أحياناً أبلغ رسالة يمكن إرسالها هي الوضوح التام. وهذا ما فعله البيان السعودي.