فاطمة الجباري
قال الله تعالى:
{كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ}.
آيةٌ قصيرة في ألفاظها، عظيمة في معناها، تحمل في طياتها وعدًا إلهيًا يتجدد كلما ظنّ الناس أن النار قد اشتعلت ولن تنطفئ.
في أولى ليالي العشر الأواخر من رمضان، كانت الأخبار تتتابع على الشاشات؛ صواريخ تنطلق، وأخرى تُعترض، وضجيج حربٍ يُراد له أن يزرع الخوف في القلوب. لكن في الجهة الأخرى من المشهد، كان هناك مشهدٌ مختلف تمامًا..
مشهدٌ لا تصنعه الأسلحة، بل تصنعه القلوب المؤمنة.
رجال ونساء، شيوخ وأطفال، يتوافدون إلى المساجد، وبعضهم يفترش ساحاتها من كثرة أعداد المصلين، مصطفّين في صفوفٍ منتظمة، تتعالى أصواتهم بالقرآن، وترتفع أكفّهم بالدعاء.
لم يكن في وجوههم خوف، ولا في قلوبهم اضطراب؛ بل سكينةٌ عجيبة، كأنها تنزل من السماء مع كل آيةٍ تُتلى، ومع كل ركعةٍ تُقام.
أرادوا أن يخيفونا..
أن نحتمي بالجدران، وأن نغلق أبواب المساجد، وأن نعيش أسرى القلق والترقّب.
لكنهم لم يدركوا حقيقةً يغفل عنها كثير من أهل الدنيا:
أن المؤمن لا يحمل طمأنينته في الخارج، بل في داخله.
جنةُ المؤمن في صدره.
هي تلك السكينة التي تسكن القلب حين يثق بربه، وذلك اليقين الذي يجعله يرى في كل محنةٍ منحة، وفي كل تهديدٍ ابتلاءً يعقبه فرج.
كيف يخاف من أيقن أن الأجل مكتوب؟
وكيف يضطرب من آمن أن ما عند الله خيرٌ وأبقى؟
المؤمن لا يعشق الموت، لكنه لا يخشاه؛ لأنه يعلم أن الحياة ليست نهاية الطريق، بل مرحلةٌ قصيرة يعبرها إلى ما هو أبقى.
ولهذا يبقى ثابتًا حين يضطرب الآخرون، ويطمئن حين تعلو أصوات الخوف.
وفي تلك الليالي المباركة، بدا المشهد وكأنه رسالة صامتة للعالم:
أن الإيمان قوة لا تُقاس بالصواريخ، ولا تُهزم بالضجيج.
قد يشعلون نار الحرب..
لكن الله يطفئها.
وقد يحاولون زرع الرعب.
لكن الله يملأ القلوب طمأنينة.
وقد يظنون أن القوة في السلاح.
لكن القوة الحقيقية في قلبٍ عامرٍ بالإيمان.
وهكذا يمضي المؤمن في طريقه؛ يصلي، ويدعو، ويعيش حياته بثبات، وكأنه يردد في أعماقه يقينًا لا يتزعزع:
إن من جعل الله جنتَه في صدره، فلن تستطيع الدنيا كلها أن تسلبه سلامه..