جانبي فروقة
في الحروب التقليدية كانت الدبابات والطائرات هي أول من يصل إلى ساحة المعركة، أما اليوم هناك لاعب جديد يصل قبل الجميع وهي الخوارزميات، فقبل تحرك أي جندي وقبل أن تنطلق طائرة بدون طيار تكون الخوارزميات في الصف الأول قد بدأت بالفعل في تحليل البيانات الاستخباراتية وإدارة الحرب السيبرانية وفحص الإشارات الرقمية والتنبؤ بالتهديدات القادمة، فالأمن القومي لم يعد يدار فقط في غرف العمليات العسكرية بل في مراكز البيانات أيضا وهنا ظهرت نماذج لغوية متقدمة مثل Claude كلود بوصفها أدوات تحليلية قوية قادرة على فهم البيانات والنصوص والأنماط المعقدة في آن واحد.
في الحرب الباردة كان الصراع بين واشنطن وموسكو يتمحور حول القنابل النووية والصواريخ الباليستية (العابرة للقارات) أما اليوم تحول الصراع إلى سباق على السيطرة على العقول الرقمية وفي عالم يتغير بسرعة تطور الخوارزميات تكفي تغريدة واحدة لإرباك صناعة كاملة وهذا ما حدث عندما أعلنت شركة Anthropic أنثروبيك عن أداة Claude Code Security وهي نظام ذكاء اصطناعي لا يكتفي بالعثور على الثغرات البرمجية بل يفهم منطق الشيفرة ويقترح إصلاحات دقيقة لها، وخلال ساعات اهتز عرش أسهم كبرى شركات الأمن السيبراني فتراجعت أسهم CrowdStrike وCloudflare وZscaler بنسب ملحوظة وتبخرت مليارات الدولارات من القيمة السوقية لقطاع الأمن السيبراني، والرسالة التي تلقاها المستثمرون كانت واضحة وهي إذا أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على اكتشاف الثغرات وإصلاحها داخل دورة تطوير البرمجيات نفسها فإن قواعد لعبة الأمن الرقمي قد تتغير جذرياً، وهي لحظة تكشف كيف يمكن لخوارزمية ذكية أن تعيد رسم حدود صناعة كاملة بين الخوف من الاستبدال والأمل في جيل جديد من الأمن السيبراني.
في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي تبدو الولايات المتحدة وكأنها تقود أوركسترا الابتكار عبر شبكة من الجامعات المتقدمة وشركات التكنولوجيا العملاقة مثل OpenAI وMicrosoft وGoogle DeepMind وNVIDIA وPalantir Technologies حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد صناعة تجارية، بل أصبح جزءًا من منظومة الأمن القومي ومؤسسات مثل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية Central Intelligence Agency ووكالة الأمن القومي National Security Agency باتت تعتمد اليوم على الخوارزميات لتحليل ملايين الوثائق والاتصالات وتحويل البيانات الخام إلى رؤى استخباراتية تمنح واشنطن تفوقًا استراتيجيًا، وفي المقابل تسلك الصين طريقًا مختلفًا فالدولة نفسها هي من تقود المشروع ومنذ إعلان خطتها الوطنية للذكاء الاصطناعي عام 2017 عبر شركات مثل بايدو Baidu وسنس تايم SenseTime التي تطور تقنيات التعرف على الوجوه والمدن الذكية وأنظمة المراقبة واسعة النطاق في إطار رؤية أوسع لما تسميه بكين “الحرب الذكية” وبين هذين النموذجين يتحول الذكاء الاصطناعي إلى لاعب رئيسي في ميدان المعركة والفضاء السيبراني معًا من الطائرات المسيرة ذاتية القرار إلى أنظمة القيادة المدعومة بالخوارزميات وصولًا إلى الحرب السيبرانية حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحمي الشبكات أو يخترقها في الوقت ذاته، وفي الكواليس يدور صراع اقتصادي لا يقل ضراوة إذ أصبحت رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة خصوصًا تلك التي تطورها NVIDIA أشبه بنفط العصر الرقمي ما دفع واشنطن إلى فرض قيود على تصديرها إلى الصين في محاولة لإبطاء سباق الخوارزميات الذي يعيد رسم ميزان القوة في العالم.
قبل أكثر من ألفي عام، كان طريق الحرير شريان التجارة الذي حمل الحرير والتوابل عبر القارات، أما اليوم فالعالم يشهد نسخة جديدة تمامًا من ذلك الطريق؛ فالقوافل لم تعد جمالًا محملة بالبضائع بل شبكات ألياف ضوئية تحمل البيانات بسرعة الضوء وهذا ما يُعرف بـ«طريق الحرير الرقمي» وهو جزء من مبادرة الحزام والطريق التي أطلقتها الصين عام 2013، ويهدف إلى بناء بنية تحتية رقمية عالمية تمتد من الكابلات البحرية إلى شبكات الجيل الخامس ومراكز البيانات والمدن الذكية وتقود هذا المشروع شركات تكنولوجية صينية عملاقة مثل Huawei وZTE وAlibaba Group وBaidu التي تبني شبكات الاتصالات والسحابة الرقمية وأنظمة الذكاء الاصطناعي في عشرات الدول لكن القصة أعمق من مجرد إنترنت أسرع فكل شبكة جديدة تولّد كنزًا من البيانات، وهو المورد الأكثر قيمة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي؛ لذلك يرى كثير من المحللين أن طريق الحرير الرقمي ليس فقط مشروعًا تقنيًا، بل خطوة استراتيجية لإعادة رسم خريطة القوة في العالم الرقمي.
وبينما تتسابق الدول لبناء الكابلات البحرية وتشغيل المدن الذكية يبدو أن القرن الحادي والعشرين قد أعاد إحياء طريق الحرير، لكن هذه المرة القوافل لا تحمل الحرير بل تحمل البيانات والخوارزميات الوقود الحقيقي لعصر الذكاء الاصطناعي.
نحن نقف اليوم على عتبة حقبة جديدة حيث تتشابك الخوارزميات مع السياسة وتختلط الشفرات البرمجية بمعادلات القوة الدولية ونماذج الذكاء الاصطناعي، مثل كلود لم تعد مجرد أدوات إنتاجية في المكاتب والمختبرات، بل أصبحت تتجه لتصبح لاعبا صامتا لكنه مؤثر في منظومات الأمن والدفاع الوطني.
والسؤال الذي يؤرق صانعي القرار اليوم ليس هو هل نستخدم الذكاء الاصطناعي في الأمن؟ بل أصبح كيف نضمن أن يكون هذا الذكاء الاصطناعي في خدمتنا لا في خدمة خصومنا؟ وهنا تكمن أهمية السيادة التكنولوجية، فهل ستصبح نماذج مثل كلود هي العين الرقمية التي ترصد التهديدات قبل وقوعها وتحرص الفضاء الألكتروني بلا كلل أم أننا لا نزال في بداية حروب الخوارزميات التي لم تتضح ملامحها بعد، ولكن ما هو مؤكد أن من يتقن توظيف هذه التقنية أولا سيمتلك ورقة استراتيجية لا يستهان بها في رقعة الشطرنج الجيوسياسية الكبرى.
الخوارزميات لن تحكم العالم بالقوة ولكن بالاحتمالات والخوارزميات هي العين الرقمية التي ترى العالم بلا جفون وتقرأ ما تخفيه البيانات من ظنون.
** **
- كاتب أمريكي