سعدون مطلق السوارج
ليست الأزمات في الخليج طارئة على الجغرافيا، ولا مفاجئة في حسابات السياسة؛ فمنذ قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981، كان الوعي الجماعي لدوله الست قائمًا على إدراكٍ عميق بأن الأمن مشترك، وأن التهديد –أيًا كان مصدره – لا يقف عند حدود دولة دون أخرى.
لقد تعرضت دول المجلس، على امتداد العقود الماضية، لسلسلة من التحديات والاعتداءات التي نُسب كثيرٌ منها إلى إيران أو إلى أذرعٍ مرتبطة بها في الإقليم. فمن استهداف ناقلات النفط في خليج عُمان، إلى الهجمات التي طالت منشآت حيوية في المملكة عام 2019، ومنها مرافق بقيق وخريص، وصولًا إلى حوادث أمنية سابقة شهدتها بعض العواصم الخليجية خلال ثمانينيات القرن الماضي؛ ظلّ المشهد واحدًا في جوهره: دولٌ خليجية لم تكن طرفًا في صراعٍ مباشر، لكنها وجدت نفسها في مرمى نيران تصعيدٍ يتجاوزها.
وإذا كان الأمن مفهومًا نظريًا في بعض التكتلات، فإنه في الخليج تجربة معاشة.
أبرز الشواهد التاريخية ما حدث عقب الغزو العراقي للكويت عام 1990؛ إذ لم يكن التضامن الخليجي بيانًا سياسيًا فحسب، بل موقفًا وجوديًا. فتحت المملكة حدودها وأراضيها، واستقبلت مئات الآلاف من الكويتيين، ووفرت لهم الأمن والإقامة والدعم اللوجستي الكامل حتى عودة دولتهم محررة.
ذلك المشهد لم يكن عاطفة عابرة، بل تجسيد حي لمفهوم «وحدة المصير».
هذا النموذج الإنساني تكرر بصور متعددة في أزمات لاحقة؛ إذ بقيت أراضي المملكة ملاذًا آمنًا لمواطني دول المجلس عند تعطل الملاحة أو إغلاق الأجواء أو تصاعد المخاطر الإقليمية.
الاستضافة لم تكن يومًا إجراءً إداريًا، بل رسالة سياسية تقول إن البيت الخليجي واحد، وأن المواطن الخليجي في الرياض كما هو في المنامة أو الكويت أو مسقط.
ولا يقاس الدور السعودي في المعادلة الخليجية فقط بحجم الاقتصاد أو المكانة الجغرافية، بل بقدرتها على الجمع بين الحزم في الدفاع عن السيادة، والرحابة في استضافة الأشقاء.
سياسيًا، تقود الرياض مسار التنسيق الأمني والدبلوماسي، وتستضيف القمم الطارئة، وتعمل على بلورة خطاب موحد يرفض الاعتداءات ويؤكد حق الدفاع المشروع وفق ميثاق الأمم المتحدة.
إنسانيًا، حين تتعطل الرحلات أو تُغلق الأجواء نتيجة توترات أمنية، تتحرك مؤسسات الدولة السعودية بسرعة لاحتواء الموقف، وتوفير الإقامة والخدمات لمواطني دول المجلس، في صورة تعكس عمق الروابط الاجتماعية قبل السياسية. هذا التوازن بين القوة والمسؤولية هو ما يمنح المملكة ثقلها الحقيقي؛ فهي لا تكتفي بإدانة الاعتداء، بل تتحمل أعباء الاستقرار الإقليمي.
اللافت في التجربة الخليجية أن الرد على الاعتداءات لم يكن اندفاعًا عسكريًا، بل تمسكًا بخيارين متوازيين:
تعزيز القدرات الدفاعية المشتركة.
إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحًا لتجنيب المنطقة مزيدًا من التصعيد.
لقد أدركت دول المجلس أن أي انزلاق واسع لن يخدم أمن الطاقة العالمي، ولا استقرار التجارة الدولية، ولا مصالح شعوب المنطقة. ولذلك جاء خطابها السياسي منضبطًا، حازمًا في رفض الاعتداء، ومتزنًا في إدارة الرد.
وسواء جاءت الاعتداءات الإيرانية عبر هجمات مباشرة أو عبر أذرعٍ مسلحة في محيط الخليج، فإن الرسالة التي حاولت بعض الأطراف إيصالها كانت اختبار قدرة دول المجلس على التماسك. لكن النتيجة أن عززت تلك التهديدات منسوب التنسيق العسكري، ورفعت مستوى تبادل المعلومات الأمنية، ودفعت نحو تطوير منظومات الدفاع الجوي المشترك.
فلم تنكسر الجبهة الخليجية، ولم تتفكك، بل ازدادت صلابةً.
وهنا يكمن جوهر المعادلة: كل اعتداء كان يُفترض أن يزرع الشقاق، فإذا به يعمّق الشعور بالمصير الواحد.
إن دول مجلس التعاون تدرك أن موقعها الجغرافي يمنحها أهمية عالمية في أمن الطاقة والملاحة البحرية. ومن ثمّ فإن أي استهداف لها لا يُعد مسألة ثنائية، بل قضية استقرار دولي.
ومع ذلك، لم تتبنَّ هذه الدول خطابًا تصعيديًا مفتوحًا، بل تمسكت بمبدأ أن الأمن لا يُصان بالفوضى، وأن الردع لا يتعارض مع الحكمة.
وفي المحصلة، أثبتت التجربة أن دول الخليج – رغم اختلاف أحجامها وسياساتها التفصيلية – تلتقي عند ثوابت كبرى:
السيادة خط أحمر، والمواطن الخليجي في أي أرض خليجية ليس غريبًا، والاعتداء – أيًا كان مصدره – لا يمكن أن يُقابل بالتفكك.
وإذا كانت الأزمات تكشف معادن الدول، فإن الخليج – بقيادة المملكة وبتكامل أدوار أشقائها – أثبت أن وحدته ليست رد فعل، بل عقيدة سياسية راسخة.
فالبيت الذي بُني على التضامن في 1981، وامتحنته الحروب والاعتداءات، ما زال وسيظل قائمًا.. وبأكثر وعيًا، وأشد تماسكًا، وأعمق إدراكًا بأن استقرار الخليج ليس خيارًا تكتيكيًا، بل قدر إستراتيجي مشتركً.