د.شامان حامد
تلقى الاقتصاد العالمي مع بدايات عام 2026 واحدة من أعنف الصدمات الهيكلية التي شهدها منذ عقود، فلا توجد ممرات بحرية عادية؛ فبعضها يمثل شرايين الاقتصاد العالمي، حيث تحول مضيق هرمز من شريان حيوي للتجارة إلى بؤرة شلل لوجستي نتيجة المواجهة العسكرية التي اندلعت في 28 من فبراير، إذ يمر عبره نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا وما يقارب خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا. ولعل تعطل هذا الممر، لم يشعل أسعار الخام فحسب، بل تسبب في انهيار متسارع لسلاسل الإمداد من الغاز المسال وصولاً إلى البتروكيماوي، فلم تكن هذه القفزات السعرية ناتجة عن نقص في القدرات الإنتاجية بقدر ما هي نتاج شلل تام في حركة الملاحة، التي رافقت تصاعد التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، حيث انخفضت حركة الناقلات بنسبة مذهلة بلغت 94 في المائة مقارنة بالمستويات الطبيعية، مما أعاد إلى الواجهة هشاشة النظام العالمي للطاقة أمام المخاطر الجيوسياسية.
وحين يختنق الشريان النفطي، كان رد فعل الأسواق سريعًا وحادًا، في واحدة من أسرع موجات الصعود منذ سنوات، فارتفع خام عمان بنحو 42 في المائة خلال أسبوع، وصعد خام غرب تكساس الوسيط بنحو 36 في المائة، وقفز خام برنت بنحو 28 في المائة، متجاوزًا مستوى 100 دولار للبرميل. بينما قفز خام برنت متجاوزاً حاجز 100 دولار ليصل إلى 102.20 دولار للبرميل، وسط تحذيرات من بنك باركليز باحتمالية وصوله إلى 120 دولاراً إذا استمر الصراع، وبالتالي دفع هذا الاضطراب اللوجستي الحاد بمنتجي الطاقة الرئيسين مثل الكويت والعراق إلى إعلان «القوة القاهرة» وخفض الإنتاج فعلياً، لا لنقص في الموارد، بل لامتلاء صهاريج التخزين مع توقف حركة التصدير البحري، مما جعل استمرار تعطل الممر تهديداً لقدراتهم التصديرية.
إن تعطل الممر البحري الذي تمر عبره نسبة ضخمة من صادرات الخليج خلق حالة ذعر في الأسواق، حيث تخشى المصافي والمستوردون من عدم القدرة على الحصول على الشحنات في الوقت المناسب، فالمشكلة الأساسية ليست في وجود النفط تحت الأرض، بل في القدرة على نقله إلى الأسواق. وحين تتوقف الإمدادات قسرًا، تضطر شركات الطاقة إلى إعلان حالة القوة القاهرة، وهو إجراء قانوني يسمح للشركات بالتوقف عن تنفيذ عقود التوريد نتيجة ظروف خارجة عن السيطرة، فخفضت الكويت الإنتاج وتشغيل المصافي، رغم أن صادراتها بلغت في 2025 نحو 1.9 مليون برميل يوميًا من الخام إضافة إلى 860 ألف برميل يوميًا من المنتجات المكررة، أما العراق، الذي يعتمد على المضيق لتصدير معظم إنتاجه الجنوبي البالغ نحو 3.3 مليون برميل يوميًا، فقد بدأ بدوره خفض الإنتاج مع امتلاء مرافق التخزين وتعطل الشحنات، كل ذلك امتد سريعًا إلى الصناعات المرتبطة بالطاقة، خصوصًا قطاع البتروكيماويات الذي يعتمد على تدفقات اللقيم من الخليج، ما أدى إلى اضطراب واسع في الإنتاج العالمي.
وعلى الرغم من الأهمية الإستراتيجية للمضيق، تمتلك بعض الدول الخليجية حلولًا جزئية لتجاوز الأزمة، رغم أن هذه الحلول مكلفة ومحدودة السعة مقارنة بالتدفقات اليومية الضخمة التي يعبرها المضيق، فهناك بالسعودية خط الأنابيب شرق-غرب الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بطاقة تصل إلى 7 ملايين برميل يوميًا، وتعتمد الإمارات على خط أنابيب أبوظبي-الفجيرة بطاقة تقارب 1.5 مليون برميل يوميًا، لكن هذه البدائل لا تستطيع تعويض كامل الكميات التي كانت تمر عبر المضيق، خاصة بالنسبة للدول التي لا تمتلك خطوط أنابيب بديلة مثل العراق والكويت.
كما اتجهت مصافي آسيا إلى شراء شحنات إضافية من الولايات المتحدة وإفريقيا والبرازيل، ما أدى إلى ارتفاع أسعار بعض الخامات الأمريكية إلى مستويات قياسية، بل وتضاعفت تقريبًا تكاليف الشحن من خليج المكسيك إلى آسيا، إذ ارتفعت أجور نقل النفط إلى الصين إلى نحو 14 دولارًا للبرميل، ولا ننسى أن بعض الدول الآسيوية بدأت التفكير في استخدام مخزوناتها الإستراتيجية من النفط لضمان استمرار الإمدادات.
إن تحذيرات وكالة الطاقة الدولية من تحول السوق من الفائض إلى العجز، جنباً إلى جنب مع قلق صندوق النقد الدولي من اختبار مرونة الاقتصاد العالمي، تشير إلى أننا أمام منعطف جيوسياسي واقتصادي خطير؛ حيثُ أكدت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا أن الحرب في الشرق الأوسط قد تمثل اختباراً حقيقيًا لمرونة الاقتصاد العالمي، محذرة من أن صدمات الطاقة قد تؤثر في التضخم والنمو الاقتصادي عالمياً. وفي هذا الإطار، يبرز ما توقعه الخبير الاقتصادي الدكتور إبراهيم فضلون بارتفاع سعر النفط لأكثر من 100 دولار، وهو المستوى الذي تم تجاوزه بالفعل مع بلوغ خام برنت 102.20 دولار للبرميل . والآن يُراقب العالم قدرة القوى الكبرى والمنتجين الرئيسين، وفي مقدمتهم السعودية، على إعادة التوازن لسوق لم تعد تحكمه قواعد العرض والطلب التقليدية، بل تتحكم فيه لغة المخاطر الجيوسياسية وتأمين الممرات البحرية.
لقد برزت السعودية كعادتها في المواقف القوية، بوصفها أحد أهم عوامل الاستقرار في سوق الطاقة العالمي. ودورها القيادي داخل أوبك يجعلها لاعبًا رئيسًا في إدارة التوازن بين العرض والطلب، وهو ما يمنح الأسواق قدرًا من الثقة في قدرة النظام النفطي العالمي على تجاوز الصدمات، فمع تزايد التوترات الدولية وتكرار الصدمات، يبدو أن الأسواق ستظل معرضة لفترات من التقلب الحاد في الأسعار، فاضطراب واحد أن يهز أسواق الطاقة ويعيد رسم خريطة الإمدادات العالمية في أيام قليلة.