د. سطام بن عبدالله آل سعد
لم تعد كرة القدم في كثير من النقاشات مساحة لفهم اللعبة بقدر ما أصبحت مرآة للهوية والانتماء. فالمباراة التي يفترض أن تُقرأ عبر الأداء التكتيكي والقرارات الفنية تتحول سريعًا إلى ساحة رمزية تُختبر فيها مشاعر الولاء. وهنا تبدأ ما يمكن تسميته أزمة الوعي الكروي؛ إذ يتراجع التحليل لصالح الاصطفاف.
كرة القدم في أصلها نشاط رياضي يقوم على عناصر واضحة: إعداد بدني، خطط تكتيكية، قرارات إدارية، ومنظومة اقتصادية أصبحت اليوم جزءًا من صناعة عالمية.
غير أن النقاش الكروي في كثير من الأحيان لا ينطلق من هذه العناصر، بل من سؤال بسيط: مع من تقف؟ وحين يُبنى النقاش على هذا السؤال يتحول التحليل الفني إلى مسألة ثانوية، بينما يصبح الانتماء هو معيار الحكم.
من هنا تتغير طريقة تفسير المباريات. فالفوز يُقدَّم باعتباره انتصارًا للجماعة، والخسارة تتحول إلى جرح رمزي يدفع إلى البحث عن خصم يُحمَّل المسؤولية، سواء كان حكمًا أو اتحادًا أو حتى سردية مؤامرة. ومع هذا التحول يصبح النقد الفني اعتداءً على الهوية، لا قراءة لأداء فريق داخل الملعب.
يزداد هذا الميل حين يتجه بعض الخطاب الإعلامي إلى الإثارة أكثر من المعرفة، لأن الاستقطاب يجذب الجمهور بسرعة. ومع الوقت تتراجع مساحة الفهم الحقيقي للعبة، ويصبح الجدل العاطفي هو اللغة الغالبة في النقاش الكروي.
غير أن كرة القدم الحديثة أصبحت صناعة معقدة تعتمد على البيانات والعلوم الرياضية والاستثمار الاقتصادي، وهذا التحول يجعل الحاجة إلى وعي كروي ناضج أكثر إلحاحًا، لأن متابعة اللعبة اليوم تتطلب فهمًا يتجاوز حدود الانطباعات والانتماءات.
المشكلة إذن ليست في نتائج المباريات، بل في الطريقة التي تُفهم بها. فحين تتحول المباراة إلى اختبار للهوية، يفقد النقاش الرياضي قدرته على إنتاج معرفة حقيقية باللعبة. وعندها تختفي كرة القدم نفسها خلف ضجيج الانتماءات، وتبقى الهوية وحدها في ساحة النقاش.