صالح الشادي
أمام ما آل إليه لبنان اليوم، يبدو السؤال مشروعاً بل ضرورياً: أين العقلاء في هذا البلد الصغير؟ وكيف يتوافق ادعاء أهله الحضارة والوعي مع واقع الانهيار والاحتراق الذي يعيشونه؟
ليس المطلوب هنا إصدار أحكام بقدر ما هو محاولة لفهم التناقض الصارخ بين صورة لبنان الحضارية في المخيال الجمعي، وبين واقعه المرير على الأرض. فلبنان الذي كان يُشار إليه يوماً بسويسرا الشرق ومنارة للثقافة والانفتاح، يقدم اليوم للعالم مشهداً مختلفاً: انهيار اقتصادي هو من الأشد في العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، وشعب يهاجر بأعداد متزايدة، ودولة عاجزة عن تأمين أبسط الخدمات. فهل هذا هو الوعي الذي يدعيه أهله؟ أم أن الوعي الحقيقي يكمن في القدرة على مراجعة الذات ومساءلتها؟
منذ استقلاله، قدم لبنان للعروبة خطاباً وثقافة ورموزاً تنويرية، لكنه في المقابل ظل يعيش على هامش القرار العربي، وأحياناً كساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية. اتفاق الطائف عام 1989، الذي أنهى حرباً أهلية استمرت 15 عاماً، أكد على عروبة لبنان انتماء وهويةً، لكن هذه العروبة بقيت حبيسة التوظيفات السياسية والطائفية. أما ما قدمه الخليج للبنان فهو تاريخ طويل من الدعم السياسي والاقتصادي. فالمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص لعبت أدواراً محورية في إنقاذ لبنان من أزماته المتلاحقة، من اتفاق الطائف الذي احتضنته، إلى مؤتمرات دعم الاقتصاد اللبناني، وصولاً إلى استقبال مئات الآلاف من اللبنانيين الذين عملوا وكونوا ثرواتهم في المملكة ودول الخليج. لكن العلاقة تدهورت في السنوات الأخيرة بسبب تغول حزب الله على القرار اللبناني وانحيازه الواضح للمحور الإيراني على حساب العروبة.
تتكشف المفارقة الكبرى عندما ننظر إلى الأرقام. تحويلات المغتربين اللبنانيين إلى وطنهم تبلغ نحو 6.5 إلى 7 مليارات دولار سنوياً، وخلال السنوات الخمس الماضية وحدها من 2020 إلى 2024 تدفق إلى لبنان نحو 31.8 مليار دولار من المغتربين. هذا المبلغ الضخم، الذي كان يمكن أن يكون وقوداً لنهضة اقتصادية حقيقية، ذهب معظمه لتمويل العجز التجاري والاستهلاك بدلاً من الاستثمار والإنتاج. لم يتوقف الدعم عند المغتربين، بل امتد إلى المساعدات الدولية. ففي يناير 2026 وحده، وقع الاتحاد الأوروبي 6 اتفاقيات تمويل جديدة مع لبنان بقيمة 110.5 ملايين يورو. هذه الأموال تضاف إلى مليارات الدولارات التي تدفقت على لبنان عبر عقود من الزمن. لكن السؤال المشروع: أين ذهبت كل هذه الأموال؟ الجواب المختصر: في ثقب أسود اسمه الفساد وسوء الإدارة وهيمنة المصالح الطائفية.
لا يمكن فهم المأساة اللبنانية دون التوقف عند دور حزب الله. فبسلاحه المنفرد وقرارات الحرب والسلم التي يتخذها منفرداً، جرّ الحزب لبنان إلى مواجهات لم يخترها اللبنانيون، كان آخرها الحرب المدمرة التي تسببت بنزوح مئات الآلاف وسقوط آلاف القتلى والجرحى. اتهامات وجهت للحزب بأنه لا يهمه أبداً لبنان فقد تسبب في إحراقه ودماره مرات سابقة كلما وجد نفسه في مأزق. كما اتهم بتخزين أسلحة ومتفجرات في مناطق مدنية، واستخدام المدنيين كدروع بشرية. لكن تحميل حزب الله وحده المسؤولية سيكون تبسيطاً مخلاً للحقيقة. فقبل أن يتغول حزب الله، كان هناك نظام طائفي متجذر، ونخب سياسية من جميع الطوائف تشاركت في نهش مقدرات الدولة. البنك الدولي وصف الأزمة اللبنانية بأنها كساد متعمد من تدبير قيادات النخبة في البلاد على حساب استقرار لبنان والسلام الاجتماعي. واستطلاعات الرأي تشير إلى أن 97 بالمئة من اللبنانيين يرون أن حكوماتهم المتعاقبة لا تبذل جهوداً تُذكر لمعالجة الفساد وتحسين الظروف المعيشية.
ربما يكمن السر في عدم قدرة لبنان على النهوض في الطائفية السياسية التي جعلت الولاء للمذهب يسبق الولاء للوطن. بينما كان من المفترض أن يكون إجراءات لإلغاء الطائفية السياسية، تضمن بنوداً طموحة بهذا الشأن: تشكيل هيئة وطنية لإلغاء الطائفية السياسية، واستحداث مجلس شيوخ، وإلغاء قاعدة التمثيل الطائفي في الوظائف العامة. لكن هذه البنود بقيت حبراً على ورق، ولم تنفذ حتى اليوم. المواطن العادي في لبنان وجد نفسه أسيراً لهذا النظام. ليس غريباً أن تصل نسبة الذين يفكرون في الهجرة إلى مستويات قياسية، فمن لا يجد فرصة في وطنه يبحث عنها في الخارج.
لبنان اليوم أمام مفترق طرق. إما أن يتحول بالكامل إلى دولة فاشلة، يسكنها مواطنون يائسون ينتظرون دورهم في قارب الهجرة، وإما أن تنتفض إرادة العقلاء الحقيقيين من أبنائه. فالعقلاء ليسوا أولئك الذين يتقنون فن الخطابة والمناكفات السياسية، بل الذين يدركون أن لبنان أكبر من كل الطوائف والمذاهب والمصالح الحزبية. ما يحتاجه لبنان اليوم هو مشروع وطني جديد، مشروع يعيد بناء الدولة على أسس المواطنة الحقة والكفاءة والشفافية. مشروع يحرر لبنان من الوصايات الخارجية ويعيد له دوره الحضاري العربي. العقلاء في لبنان كثر، لكنهم مشتتون غير منظمين. إن تحديهم الأكبر هو في قدرتهم على التحول إلى قوة ضاغطة قادرة على تغيير المعادلة. فالبديل هو الاستمرار في الانهيار حتى النهاية، وعندها لن ينفع الندم.
أيها اللبنانيون... إذا كنتم تدعون الوعي والتحضر فعلاً، فأنقذوا لبنانكم.