اللواء الركن م. سلامة بن هذال بن سعيدان
بلغ الحشد الأمريكي في المنطقة أعلى مستوياته في الجو والبحر، معيداً إلى الذاكرة الغزو الأمريكي للعراق والأهداف المعلنة من وجود هذا الحشد تتمثل في تدمير منشآت إيران النووية، وأحياناً يتسرب عن بعض المصادر بأن هذا الحشد يمثل محاولة جادة لتغيير النظام ومناصرة الحراك الشعبي المزعوم.
وتأسيساً على ذلك فإن الغارات الجوية والضربات الصاروخية الأمريكية والإسرائيلية استهدفت البنية التحتية النووية، كما نجم عنها تدمير نسبة كبيرة من مؤسسات إيران العسكرية والمدنية واغتيال المرشد الأعلى وعدد من رموز النظام وقادة الحرس الثوري بفضل التنسيق والتكامل بين العمل العسكري والاختراق الاستخباراتي والامن السيبراني، حيث سارت الحرب السيبرانية بالتوازي مع العمليات العسكرية ضد إيران على النحو الذي عطَّل أجهزة الإنذار المبكر ومنظومات الدفاع الجوي وشبكات القيادة والسيطرة ووسائل الاتصالات والأنظمة اللوجستية.
وبالنسبة لموقف إيران، فإن الحرس الثوري هو الذي يقود البلد، والقوات الجوية الإيرانية متهالكة والدفاع الجوي شبه مغيَّب وحضوره متسيب، والاختراق الأمني على أشده من قبل جواسيس وعملاء الطرف المعادي، حيث إن خونة الداخل على اتصال مع الخارج، والنظام الإيراني يراهن على عامل الزمن ونواياه المبيتة لإستهداف دول الجوار وأقلمة الصراع، كما يراهن النظام على ترسانته من الصواريخ الباليستية ومخزونه من الطائرات المسيرة التي ردت له اعتباره في الحرب السابقة وساعدته على رد الفعل وإعادة الاعتبار في هذه الحرب.
وإذا ما ألقينا نظرة فاحصة على أهداف الحرب الدائرة بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة ثانية فإن الطرف الأول بالإضافة إلى أهدافه المعلنة له أهداف مبطنة تخدم أهدافه المعلنة، بحيث تتمحور هذه الأهداف حول الرغبة في تأجيج الصراع في المنطقة وإشعال الحرب بين إيران ودول الخليج لتحويل الصراع إلى صراع إقليمي يستنزف الجميع.
وتطلُّع أطراف الحرب الدائرة في إيران إلى تعميم الصراع وتوسيع نطاق الحرب لم يكن تطلعاً يخضع لحسابات وتقديرات مجهولة بالنسبة لأمريكا وإسرائيل، بل يرجع ذلك إلى تخادم سابق بين الطرفين يقف شاهداً على مواقف إيران المتماهية والمتخادمة مع الدولة العبرية والمعادية للدول العربية عن طريق المشروع الإيراني التدميري في المنطقة الذي يلتقي مع المشروع الإسرائيلي التوسعي تحت مظلة المشروع الأمريكي الذي يهدف إلى إعادة تقسيم دول المنطقة على هيئة شرق أوسط جديد يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
والمشروع القومي الإسرائيلي والمشروع القومي الفارسي وجهان لعملة واحدة، والتخادم بين المشروعين ضد الأمة العربية تخادم قديم جديد، والحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران لا تلغي هذا التخادم، وإنما تضفي عليه بعداً آخر، يكشف حقيقته ويجسد خطورته، فاستجابة إيران لرغبة عدوها المعتدي عليها وتبنِّي أهدافه غير المعلنة التي يحاول من خلالها إدخال الدول الخليجية في دوامة الصراع وتوريطها في الحرب وتداعياتها الأمنية، يمثل ذلك هدفاً مشتركاً لأطراف الحرب، ويؤكد صورة واضحة من صور التخادم والذهاب بعيداً على طريق محاربة الإسلام ومعاداة العرب وإعادة تقسيم دولهم والتنكر لحضارتهم وثوابتهم القومية والتاريخية.
وبمجرد أن شنت الولايات المتحدة الامريكية والدولة العبرية الحرب على إيران أطلقت إيران صواريخها ومسيراتها على الدول الخليجية والأردن متهمةً هذه الدول باحتضان قواعد أمريكية مع إتخاذ هذا الاتهام ذريعة لإطلاق إيران مقذوفاتها على حقول النفط والغاز والمصافي والموانئ ومحطات الكهرباء والبنى التحتية والمضائق البحرية وغيرها من المرافق الحيوية التي لا ينطبق عليها مفهوم الذرائع الواهية والحجج الباطلة.
ولا يختلف اثنان أن الدولة العبرية هي المستفيد الأول من اتساع مسرح الحرب وتطبيق نظرية عليَّ وعلى إعدائي، وذلك بإطلاق الصواريخ والمسيرات كيفما أتفق، بغية الزج بدول الخليج والدول المجاورة للأرض المحتلة في حرب أقليمية عبثية ذات أضرار معنوية ومادية تتجاوز الدول المستهدفة إلى مختلف دول العالم، وذلك في مجال الطاقة وعلى الصعيد الأمني.
وعوداً على بدء فإنه من المتناقضات المتضادات إن المذهب العسكري بالنسبة للدولة العبرية بُنيَ على مبدأ النصر السريع حيث يعتمد على الحرب السريعة ونقل المعركة خارج حدود الدولة بسبب المشكلات الجغرافية والديمغرافية التي لا يتحمل معها الكيان الإسرائيلي حرباً طويلة أو حرباً داخل حدوده في حين أن المذهب العسكري الإيراني بُني على مبدأ حرب ممتدة وصراع طويل تدار فيه هذه الحرب على هيئة استنزاف ممتد طويل الأمد.
والمملكة ذات مشروع سلمي تدعو من خلاله إلى شرق أوسط خالٍ من الحروب وتنعم دوله بالأمن والاستقرار وحسن الجوار، وقد حذرت المملكة مراراً وتكراراً عن هذه الحرب قبل وقوعها، نظراً لنتائجها المدمرة وعواقبها الوخيمة، وما قد يترتب عليها من تداعيات أمنية خطيرة ومآلات كارثية تقود إلى حرب عالمية ثالثة.
ومنذ إندلاع الحرب وإيران تستهدف المملكة بصواريخها الباليستية وطيرانها المسير رغم مواقف المملكة الرافضة للحرب وعدم وجود قواعد أمريكية على أراضيها ورفضها المعلن لإتخاذ مجالها الجوي ومياهها وأرضها معبراً لاستهداف إيران.
والمملكة ضد امتلاك إيران لسلاح نووي وترى إن معالجة تعقيدات البرنامج النووي الإيراني يتعين أن تتم عبر طاولة المفاوضات وبالطرق السياسية والحلول السلمية بعيداً عن اللجوء إلى الحرب، ولكن النظام الإيراني لم يقدر مواقف المملكة العقلانية كما أنه لم يقدر موقف دولة عُمان التي أحتضنت محادثاته مع الجانب الأمريكي والمعروفة بحيادها، ولم يراعِ حرمة الجوار وانتمائه الديني.
وتصرف النظام الإيراني والحرس الثوري في هذه الحرب أكد بما لا يدع مجالاً للشك أن هذا النظام غير خليق بامتلاك سلاح نووي نتيجة لرعونته وتهوره وبعده عن عقلية الدولة وحصافة القيادة، وما يعني ذلك من تجاهله لضرورات الحياة والاستخفاف بمصائر الشعوب وحياة الناس.
وقد أحسنت المملكة صنعاً ومعها الدول الأخرى في اتباع سياسة ضبط النفس وتجنب الوقوع في الفخ المنصوب تفادياً للتصعيد وتوسيع دائرة الصراع وجر المنطقة إلى حرب إقليمية تتحول إلى حرب عالمية يصعب السيطرة عليها مع بذل الجهود الدبلوماسية والسياسية لوقف الحرب واحتكام أطرافها إلى العقل والحوار المثمر على طاولة المحادثات وكل ما من شأنه مراعاة مقومات الحياة وضروراتها والمحافظة على الامن والسلم الدوليين.
وجهود المملكة لوقف الحرب ومنع التصعيد هو جانب من تقدير موقفها بالنسبة للأحداث وتداعياتها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والجانب الآخر هو التحسب للأسوأ والإعداد والاستعداد له على مختلف الأصعدة العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية والوطنية، فالدفاعات الجوية تؤدي مهامها حسب ما هو مرسوم والقوات الجوية رهن الطلب وفي حالة جهوزية واستنفار، والاستخبارات والامن السيبراني ذات مسؤوليات واهتمامات يتم تنفيذها بمهارة وجدارة، وعناصر القتال الكمية وابعاده النوعية على أهبة الاستعداد ورهن الإشارة، والمواطن يتمتع بوعي تام أين ما استقر به المقام ومكانه في المجتمع والدولة.