نجلاء العتيبي
حين يقع حدث سياسي جسيم لا يكون الخطر فيما جرى بقدر ما يكون فيما يُقال عنه؛ فالإشاعة تتقدَّم إلى الواجهة، ليست خبرًا، إنما حالة تنتشر بين الناس تتشكَّل من خوفهم، وتتغذَّى على قلقهم تكبرُ مع كل لسان ينقلها دون تثبُّت، ما يحدث بين بعضٍ من الناس في أحاديثهم اليومية هو الساحة الحقيقية للإشاعة، حيث تبدأ بتمزيق الاطمئنان الداخلي، وإعادة تشكيل المزاج الجمعي.
الإشاعة تبدأ ناقصةً: جملة مبتورة، تفسير متعجل، استنتاج غير مكتمل، ثم يجدها آخرون، ويضيفون إليها تفصيلًا، ويكسوها نبرة يقين وتحليل؛ فتتحوَّل بسرعة من احتمال إلى رواية، ومن رواية إلى ما يشبه الحقيقة المتداولة، وخطورتها تكمُنُ في سرعتها وقدرتها على الانتشار داخل بيئة متوترة، تبحث عن إجابة لأي سؤال معلَّق.
وعند القلق والخوف يضعف التمييز بين الخبر والرأي، بين المعلومة والانطباع، فالإشاعة تستثمر هذا الاضطراب فتقدم نفسها كإجابة جاهزة تمنح متداولها شعورًا زائفًا بالمعرفة؛ فتنتشر الكلمات وكأنها حقيقة، بينما هي في الأصل ظنٌّ تضخَّم بفعل التهويل والتكرار.
تدخل البيوت بهدوءٍ، تهمس عبر شاشة مضيئة أو حديث بسيط، وتعيد تشكيل المزاج العام فتصبح الاحتمالات خطرًا وشيكًا، ويحل الشك محل الاطمئنان، ولا يتوقَّف أثرها عند النفس، إنما يمتدُّ إلى الاقتصاد والسلع، إشاعة عن نقص منتج قد تدفع إلى التهافُت فيختفي المعروض خلال ساعات، خبر عن ارتفاع مرتقب يخلق طلبًا مفاجئًا فيرتفع السعر بفعل السلوك الجماعي لا بفعل تغيُّر حقيقي في السوق.
فالأسواق حساسة للانطباعات؛ القلق يُغيّر قرارات الشراء، يتباطأ الإنفاق، ويضعف الثقة بين التاجر والمستهلك، ما بدأ بجملة غير مؤكَّدة قد ينتهي بخسائر فعلية، تكدُّس سلع، وارتفاع أسعار يتحمَّله الجميع.
والإشاعة تصنع واقعًا موازيًا يعيش فيه الناس وفق ما يتخيلون، تتضخم التفاصيل، وتُمنح العبارات الغامضة معاني قطعية، تختلط النيات، ويضيع الفرق بين خوف مشروع وتضخيم غير مسؤول.
في هذا المناخ تتآكل الثقة المتبادلة، ويصبح الاطمئنان حالة صعبة، سواء في العلاقات الإنسانية أو في حركة السوق، كما أنها تمنح مساحة للنفوس القلقة كي تتحدَّث بثقة غير مستحقة.
من يفتقر إلى معلومة دقيقة يجد فرصة للظهور، ومن يحمل توترًا داخليًّا يجد متنفسًا، تختلط الدوافع فيضيع الفرق بين خوف مشروع وتضخيم غير مسؤول، والنتيجة واحدة: اتساع دائرة الاضطراب في الفكر والسوق معًا.
مواجهة الإشاعة تبدأ بقيمة التثبت، والسؤال عن المصدر، والتمييز بين الخبر والتحليل، والتريث قبل النشر كلُّها ممارسات بسيطة لكنها ذات أثر عميق.
فضبط الكلمة مسؤولية أخلاقية واقتصادية، والكلمة ليست صوتًا فقط؛ بل هي أثر يمتدُّ، قد تتحوَّل إلى سبب في طمأنينة عامة أو اضطراب واسع.
ستظل الأحداث تقع، وستظل الألسنة تتحرَّك، لكن مستوى الانضباط في تداول القول هو ما يحدد حجم الأثر، فالإشاعة تزدهر في بيئة متسرعة، وتضعف حين يُقدّم العقل على الانفعال، عندها يستعيد المجتمع توازنه، عندها تستقرُّ الأسواق، ويعود التعامل إلى مساره الطبيعي؛ لأن الكلمة وُضعت في موضعها الصحيح، وأُديرت بوعي يحفظ الاستقرار والمصلحة معًا.
ضوء
«إياكم والفتن، فإن وقْعَ اللسان فيها مثل وَقْعِ السيف». عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.