عبدالله إبراهيم الكعيد
أجزم بأن عنوان حكاية اليوم سيثير شهية أصحاب المكاتب العقارية فهم أكثر من يقتنص الفرص وأجدر من يحولها الى مكاسب سريعة. أصولهم التجارية تقتصر على ذرابة لسان وقدرات قويّة على إقناع كل الأطراف (البائع والمشتري والمستأجر). مع أن العنوان لا علاقة له بالعقارات ولا مخططات الأراضي ولا حتى (السعي) الذي يسيل له لعاب من حضر القسمة فليقتسم.
بصراحة أوقد قبس حكاية اليوم مقولة قرأتها لصاحب الكتاب الشهير (الأب الغني والأب الفقير) الأمريكي روبرت كاواساكي خبير التنمية البشرية والمؤلف في مجال المال والأعمال، قالها حين طُلب منه تقديم نصيحة لرواد الأعمال الشباب فابتدأ بقوله: «اختر معلميك بعناية» ثم دغدغ طموحهم بقوله «أهم عقار تملكه هو المسافة بين الأذنين. كنت سأطلب من نفسي الصغيرة أن انتبه جيداً للأفكار التي أسمح لها بأن تُزرع في ذلك الجزء من رأسي»
إذاً هنالك رابط قوي بين اختيار المعلّم الكفؤ الجيد وبين الأفكار الخلاّقة. ولعل تركيز السيد كاواساكي الخبير الثمانيني (من مواليد 1947) على الأفكار دلالة على أهميتها القصوى في حياة الناس أيّا كانت تخصصاتهم وأعمارهم وحتى توجهاتهم فما هي الأفكار الخلاّقة أصلاً؟
الأفكار الخلاّقة هي تلك الغير مطروقة وأكيد المبتكرة والتي يُمكن بواسطتها تغيير النظر الى الأشياء، والأمثلة على ذلك عديدة منها على سبيل المثال لا الحصر فكرة دمج الهاتف والكاميرا والحاسوب وتطبيقات الإنترنت ومنصاتها في جهاز صغير سُميِ بالهاتف الذكي. كانت تلك الفكرة حُلماً تقنياً ثم تجسّد عملياً على أرض الواقع وأتيح لكل الناس فتغيرت بالتالي طرق تواصلهم. وعكس ذلك الأفكار الهدّامة. تلك التي يسعى صاحبها لإيذاء البشر وزرع الفتن والصراعات بينهم مثل تلك التي تقوم على تأجيج العداوات الدينية أو المذهبية. وكذا فكرة تفوق عرق على آخر كالعقيدة السياسية التي اتبعها النازي أدولف هتلر وكانت من أكثر الأفكار تدميراً في التاريخ الحديث، وغيرها الكثير من الأفكار الهدامة.
صفوة القول: الراصد لتاريخ الحراك البشري قد يخرج بنتيجة أن العالم يُمكن أن يتغير بالقوة، ولكنه يظل تغييرا محدودا بعكس التغيير عن طريق الأفكار التي تبدأ في الغالب بفكرة صغيرة تجد عقولاً تًؤمن بها وذكاء في طرحها ثم طريقة تنفيذ مبتكرة. إذاً لقد صدق صاحبنا كاواساكي في أهم عقار نمتلكه وهي تلك المسافة الواقعة فيما بين الأذنين وما خلفها.
** **
- لندن