مجيب الرحمن بن عثمان
في البداية، لم تُبتكر مساحات منصة إكس إلا لتكون وسيلة حديثة للحوار المفتوح، ومنبرًا صوتيًا يتيح للجميع المشاركة وتبادل الآراء، في بيئة يفترض أن تقوم على حرية التعبير واحترام الرأي الآخر. الفكرة في أصلها نبيلة، تقوم على تقريب المسافات بين الناس، وإتاحة النقاش المباشر دون حواجز، بحيث تُطرح الأفكار وتُناقش بالحجة والبرهان، لا بالصوت المرتفع ولا بالانفعال.
لكن ما يحدث في بعض تلك المساحات اليوم يختلف كثيرًا عن الهدف الذي أنشئت من أجله. فقد دخلتُ إحدى المساحات ذات مرة، فوجدت نفسي في نقاش مع شخص متشنج لا يعرفني ولا أعرفه، ومع ذلك بدأ في تحليل بعض تغريداتي السابقة وتفكيكها بطريقة أقرب إلى تصفية الحسابات منها إلى الحوار. وبدل أن يكون النقاش حول الفكرة المطروحة، تحوّل الحديث إلى جدل شخصي، ثم إلى تشنج، ثم إلى ألفاظ لا تليق بمنبر يُفترض أنه مفتوح للفكر لا للفوضى.
كان الأولى أن تُعرض وجهة النظر بالحجة، وأن يُدعم الرأي بالدليل، وأن يكون الهدف إقناع الآخر لا كسره، لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا، الأمر الذي جعلني أنسحب من ذلك النقاش، وأبتعد عن مثل هذه الحوارات التي لا تنتج فكرًا ولا تضيف معرفة.
وهذا المثال ليس إلا حالة بسيطة مما يحدث في بعض المساحات، فالمتابع يلحظ أن بعض النقاشات تتحول سريعًا إلى مشاحنات، ثم إلى شتائم، ثم إلى تصادم شخصي لا علاقة له بالموضوع الأصلي. وقد سمعت -كغيري- مقاطع مسجلة من مساحات لم أحضرها، لكن ما يُتداول فيها من ألفاظ نابية وسوء أدب يبعث على الأسف، بل يجعل المتلقي يتساءل: هل هذه منابر حوار أم ساحات خصومة؟
والأكثر غرابة أن بعض المثقفين والكتّاب يقعون أحيانًا في هذه الدوامة، فينجرف النقاش إلى جدال حاد لا يليق بمكانتهم، مع أن الأولى بهم أن يكونوا قدوة في أدب الحوار، وأن يرفعوا مستوى النقاش بدل أن ينحدروا معه. فليس كل ما يُقال يستحق الرد، وليس كل مساحة تستحق الحضور، والابتعاد عن بعض المهاترات قد يكون أبلغ من الدخول فيها.
ومع ذلك، ومن باب الإنصاف، فقد التقيت في بعض المساحات بأسماء من الكتّاب والمثقفين كانوا على قدر عالٍ من الرقي والخلق وسعة المعرفة، وكان النقاش معهم ممتعًا ومفيدًا، يقوم على التحليل الهادئ، واحترام الرأي، والقدرة على طرح الفكرة دون إساءة. وهؤلاء هم النموذج الذي ينبغي أن تُبنى عليه تلك المساحات، لا أن تُترك للفوضى الصوتية والانفعال.
إن حرية التعبير لا تعني غياب الأدب، والانفتاح لا يعني الفوضى، والمنابر المفتوحة لا ينبغي أن تتحول إلى ساحات للخصومات. ومن الأولى أن تكون مساحات منصة إكس مجالًا لتبادل الرأي الراقي، وبناء المعرفة، وتقريب وجهات النظر، لا سببًا في خلق عداوات كنا في غنى عنها، ولا منصة تُرفع فيها الأصوات ويغيب فيها العقل.