عماد بن حمود الرحبي
لم يعدِ الازدحامُ المروريُّ في حياةِ كثيرٍ من الناسِ مجردَ تأخيرٍ عابرٍ يمكنُ احتمالُهُ بابتسامةٍ أو تبريرُهُ بأنَّهُ جزءٌ من يومِ العملِ، بل أصبحَ عبئًا يوميًا يضغطُ على الأعصابِ، ويستهلكُ الوقتَ، ويقتطعُ من طاقةِ الإنسانِ قبلَ أن يبدأَ يومَهُ، ثم يطاردُهُ مرةً أخرى وهو في طريقِ عودتِهِ إلى بيتهِ؛ وفي مجتمعٍ يتسارعُ فيهِ إيقاعُ الحياةِ، لم تعدِ المشكلةُ في الطريقِ وحدَهُ، بل في الأثرِ الذي يتركهُ هذا الطريقُ على النفسِ والأسرةِ وجُودةِ الحياةِ.
فالزحامُ لا يسرقُ الدقائقَ فقط، بل يسرقُ أشياءَ أكبرَ من ذلكَ بكثيرٍ؛ يسرقُ هدوءَ الصباحِ، ويستنزفُ الصبرَ، ويحوّلُ بعضَ المشاويرِ القصيرةِ إلى رحلةٍ مرهقةٍ، ويجعلُ الإنسانَ يصلُ إلى عملِهِ وقد استُهلكَ جزءٌ من طاقتِهِ النفسيةِ قبلَ أن يبدأَ مهامَهُ؛ ثم يعودُ إلى منزلهِ آخرَ النهارِ مثقلًا بتعبِ الطريقِ، لا بتعبِ العملِ وحدَهُ؛ وهنا لا تكونُ القضيةُ مروريةً فقط، بل تصبحُ قضيةً اجتماعيةً وإنسانيةً تمسُّ تفاصيلَ الحياةِ اليوميةِ للناسِ.
وما يزيدُ الإحساسَ بثقلِ الازدحامِ أنَّهُ لا يُقاسُ فقط بعددِ المركباتِ، بل بما يتركهُ من أثرٍ متراكمٍ على العلاقاتِ والأعصابِ والوقتِ؛ فالأبُ الذي يتأخرُ عن أسرتهِ، والموظفُ الذي يبدأُ يومَهُ متوترًا، والطالبُ الذي يخرجُ مبكرًا أو يعودُ متأخرًا، والأمُّ التي تقضي جزءًا كبيرًا من يومِها بينَ المدارسِ والطرقِ، كلهم يدفعونَ ثمنًا صامتًا لا يظهرُ في الأرقامِ بسهولةٍ، لكنَّهُ حاضرٌ بقوةٍ في تفاصيلِ الحياةِ.
لقد باتَ واضحًا أنَّ الطريقَ لم يعدْ مجردَ ممرٍ للحركةِ، بل صارَ جزءًا من جُودةِ العيشِ نفسِها؛ فالمدينةُ التي تسهّلُ على الإنسانِ تنقلَهُ، تمنحهُ شيئًا من الطمأنينةِ، وتتركُ لهُ مساحةً لحياتِهِ الخاصةِ؛ أما حينَ يصبحُ الوصولُ إلى الوجهةِ اختبارًا يوميًا للصبرِ، فإنَّ الإنسانَ يبدأُ بفقدانِ جزءٍ من توازنهِ شيئًا فشيئًا؛ وليسَ من المبالغةِ القولُ إنَّ بعضَ الضغوطِ النفسيةِ التي يعيشُها الناسُ اليومَ تبدأُ من الطريقِ قبلَ أن تبدأَ من المكتبِ أو من المنزلِ.
ومع ذلكَ، فإنَّ النظرَ إلى الازدحامِ يجبُ ألا يكونَ نظرةَ شكوى فقط، بل نظرةَ وعيٍ ومسؤوليةٍ أيضًا؛ فالحلولُ لا تكونُ بالمشروعاتِ الكبرى وحدَها، وإن كانتْ ضروريةً، بل تحتاجُ كذلكَ إلى ثقافةٍ مروريةٍ أكثرَ انضباطًا، وإلى احترامِ أوقاتِ الذروةِ، وإلى تنظيمٍ أفضلَ لبعضِ المخارجِ والتقاطعاتِ، وإلى مراجعةِ بعضِ الأنماطِ اليوميةِ التي تزيدُ الضغطَ على الشوارعِ دونَ ضرورةٍ؛ فالطريقُ مسؤوليةٌ مشتركةٌ، وليسَ مجردَ مساحةٍ نطالبُ الآخرينَ بإصلاحِها.
كما أنَّ معالجةَ الازدحامِ ليستْ رفاهيةً حضريةً، بل جزءٌ من تحسينِ الحياةِ في المدنِ وحمايةِ الوقتِ والإنتاجيةِ والصحةِ النفسيةِ؛ وكلُّ خطوةٍ تُتخذُ لتوسعةِ الطرقِ، أو تحسينِ الحركةِ، أو دعمِ البدائلِ العمليةِ، هي في حقيقتِها استثمارٌ في راحةِ الناسِ واستقرارِهم اليوميِ قبلَ أن تكونَ مشروعًا إنشائيًا فقط؛ ولهذا فإنَّ أيَّ نقاشٍ جادٍ حولَ الازدحامِ يجبُ أن ينطلقَ من الإنسانِ أولًا، لا من الإسفلتِ وحدَهُ.
واللافتُ أنَّ الجهاتِ المعنيةَ بدأتْ بالفعلِ في التعاملِ مع الملفِ من زاويةٍ أكثرَ شمولًا، سواءً عبرَ الدراسةِ المروريةِ الجديدةِ لمسقطَ أو عبرَ مشاريعِ التوسعةِ المعلنةِ مؤخرًا، وهو توجهٌ مهمٌّ يعكسُ إدراكًا بأنَّ النموَّ العمرانيَّ والسكانيَّ يحتاجُ إلى حلولٍ مستدامةٍ لا مؤقتةٍ؛ لكنَّ الأملَ الحقيقيَّ عندَ الناسِ يظلُّ معلقًا على ما يلمسونَهُ في يومِهم العاديِ: في الطريقِ إلى العملِ، وفي العودةِ إلى البيتِ، وفي قدرتِهم على استعادةِ جزءٍ من الوقتِ الذي يبتلعهُ الزحامُ كلَّ يومٍ. إنَّ المجتمعَ لا يقيسُ جُودةَ الحياةِ فقط بما يُبنى من مشاريعَ، بل أيضًا بما يُحفظُ لهُ من وقتٍ وهدوءٍ وكرامةٍ يوميةٍ؛ وحينَ يشعرُ الإنسانُ أنَّ الطريقَ صارَ أرحمَ، وأنَّ يومَهُ أقلُّ استنزافًا، وأنَّ عودتَهُ إلى بيتهِ لم تعدْ معركةً يوميةً، عندها فقط يدركُ أثرَ الحلِّ الحقيقيِ.
فالزحامُ في ظاهرِهِ طريقٌ مزدحمٌ، لكنَّهُ في عُمقِهِ وقتٌ مهدورٌ، وأعصابٌ مستنزفةٌ، وأُسَرٌ تنتظرُ، وحياةٌ تبحثُ عن شيءٍ من السكينةِ؛ وما أحوجَنا اليومَ إلى أن ننظرَ إلى هذهِ القضيةِ بهذا العُمقِ، لا باعتبارِها تفصيلًا يوميًا معتادًا، بل باعتبارِها شأنًا يمسُّ راحةَ المجتمعِ كلهِ.