د. إبراهيم بن جلال فضلون
يقول ونستون تشرشل: «من يسيطر على الموارد، يسيطر على المستقبل»، ولاسيما في عالم ما بعد النفط، فلم تعد الحروب تُخاض فقط من أجل الطاقة، بل من أجل المعادن النادرة؛ تلك العناصر الخفية التي تقوم عليها الثورة الرقمية، والاقتصاد الأخضر، والتفوّق العسكري. فالقوة في القرن الحادي والعشرين تُقاس بما تملكه، وبما تمنع غيرك من امتلاكه، وفي قلب هذا المشهد، لا يدور الصراع الأميركي – الصيني اليوم حول حاملات الطائرات فقط، بل حول عناصر لا تُرى بالعين المجردة، هي قلب التكنولوجيا الحديثة، وسلاح جيوسياسي بامتياز، إنها المعادن النادرة والحاسمة، التي تضم 17 عنصراً كيميائياً تدخل في تصنيع الرقائق الإلكترونية والبطاريات المتقدمة وأنظمة التوجيه الصاروخي والطائرات الشبحية وتقنيات الطاقة المتجددة.. ورغم اسمها، فإن ندرتها ليست جيولوجية بقدر ما هي تصنيعية وبيئية، إذ تهيمن الصين على نحو 70 % من الإنتاج العالمي، وأكثر من 85 % من عمليات المعالجة حتى 2025، وأكثر من 90 % تصنيع المغناطيسات المتقدمة، وبالتالي فالصين لا تسيطر فقط على المناجم، بل على العقدة الأخطر، حتى لو اكتشفت الولايات المتحدة أو حلفاؤها مناجم جديدة، فإن غياب القدرة التصنيعية يجعلهم رهائن للمرحلة الصينية، لأنها تكون في ثغرة استراتيجية خطيرة تجعل بكين رافعة قوة سيادية، لا يمكن ردعها إلا من خلال فرض قيود تصدير صينية متزايدة، مع عقوبات أميركية على التكنولوجيا الصينية، والدخول في سباق محموم لبناء سلاسل إمداد بديلة. لترد الصين بفرض قيود تصدير انتقائية رداً على تلك العقوبات التكنولوجية. بينما أطلق الاتحاد الأوروبي قانون المواد الخام الحرجة.
كل هذه القرارات حولت السوق إلى ساحة تنافس إستراتيجي منظم، وجعلت الأبعاد الجيوسياسية للصراع المحموم، أي عسكرة الاقتصاد، فالمعادن النادرة دخلت صلب الصناعات الدفاعية فهل ليست مجرد سلعة، بل أداة ضغط، توظفها الصين لتعزيز نفوذها، بينما تحشد الولايات المتحدة تحالفات مع أستراليا، وكندا، ودول أفريقية وأميركية لاتينية لكسر الاحتكار، وهو ما سبب تضخم تكاليف التحول الأخضر، أي تعطّل في الإمدادات يرفع أسعار البطاريات والطاقة النظيفة.
لكن الأبرز الدور السعودي في الاستقرار الدولي، فالسعودية ليست دولة نووية، فهي تمثل نموذج «القوة الموازِنة» لا «القوة المهدِّدة» عبر:
- الدبلوماسية الوقائية: برعاية حوارات دولية وإقليمية خفّضت مستويات التوتر في الشرق الأوسط، وهي منطقة كانت تاريخياً مرشحة للانزلاق النووي غير المباشر.
- الالتزام الصارم بنظام عدم الانتشار: دعم متواصل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) والتعاون الوثيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
- الاستثمار في الطاقة النووية السلمية: برنامج وطني للطاقة النووية السلمية ضمن رؤية 2030.. باستثمارات بلغت مليارات الدولارات في مزيج الطاقة منخفض الكربون.
تمتلك السعودية ميزة مزدوجة وهي موارد معدنية غير مستغلة بالكامل، مع قدرة مالية وبنية تحتية ولوجستية عالمية. والأرقام السعودية ذات صلة بالاستقرار الاستراتيجي، بموقع جغرافي يربط آسيا وأفريقيا وأوروبا، أثمر استثمارات بأكثر من تريليون دولار في الطاقة (حتى 2030)، وتوسع استراتيجي في استكشاف المعادن الحرجة، جعل المستهدف من الطاقة المتجددة 130 غيغاواط، بل وجعل التعدين الركيزة الثالثة للاقتصاد السعودي بعد النفط والبتروكيماويات. من هنا كان مستهدف التعدين وفق رؤية السعودية 2030 بالناتج المحلي أكثر من 75 مليار دولار، بعدد وظائف جديدة لأكثر من 200 ألف، مع شراكات دولية (أميركية – أوروبية – آسيوية).
من هنا أعادت المملكة برؤيتها تعريف الأمن من الردع النووي إلى أمن الطاقة والاستدامة بمشاريع نووية سلمية هي قيد التطوير والتنفيذ، ليكون صدى الاستثمار السعودي الإنساني في الاستقرار الإقليمي اليوم هو أقل تكلفة من إدارة أزمات نووية غداً، فالتداعيات الجيوسياسية تحتم تعزيز مفهوم «أمن الموارد» بدلاً من «سلاح الموارد».
وقفة: إن دخول السعودية هذا المجال لا يهدف إلى الهيمنة، بل إلى الاستقرار السوقي طويل الأمد. لكن أخطر سيناريو ليس انقطاع الإمدادات، بل استخدامها كورقة ضغط في أزمات جيوسياسية مفاجئة، والحل لا يكمن في القطيعة، بل في إدارة التنافس ضمن أطر تعاونية، وتجنب عسكرة سلاسل الإمداد وعدم تحويل المعادن إلى سلاح عقابي متبادل، مع إدراك أن أمن الموارد جزء لا يتجزأ من الأمن الدولي، فالاستثمار في المعرفة والبحث قبل الاستثمار في المناجم، بل كما قال هنري فورد: «الاستثمار في المعرفة يدفع أفضل الفوائد»، ولا ننسي أن الخطر لم يعد في الكمّ، بل في غياب الأطر الجامعة لإدارة المخاطر.