أحمد بن محمد الغامدي
لم تعد المدن في وطننا الحبيب مجرد طرقٍ إسفلتية ومبانٍ شاهقة ومشروعات عمرانية متسارعة، بل أصبحت إلى جانب ذلك ذاكرةً حيّة للناس الذين مرّوا بها وتركوا فيها شيئًا من أرواحهم، ولهذا جاءت مبادرة المملكة في السنوات الأخيرة تحت شعار «أنسنة المدن» ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، لتجدد الاعتبار للإنسان بوصفه قلب المدينة النابض وروحها التي تمنحها معناها الحقيقي.
لا شك أن المدن التي تُحسن الوفاء لرجالها ونسائها، وتخلّد أسماءهم في شوارعها وساحاتها، لا تفعل ذلك لمجرد التكريم الرمزي، بل لأنها تدرك أن التاريخ لا يُكتب بالحجارة وحدها، بل يُكتب بسير الذين جعلوا من حياتهم رسالة عطاء للآخرين.
وفي ذاكرة منطقة الباحة عمومًا، ومحافظة بلجرشي على وجه الخصوص، يبرز اسم الشيخ سعد بن علي بن زومة الغامدي ـ الذي وافته المنية قبل أيام ـ بوصفه واحدًا من أولئك الرجال الذين لا يمرون في حياة المجتمع مرورًا عابرًا، بل يتركون أثرًا يشبه الظل الوارف الذي يستظل به الناس طويلًا بعد رحيله.
رحل «أبو علي» لكن حضوره ما زال حيًا في ذاكرة من عرفوه، وفي قلوب أولئك الذين امتدت إليهم يده البيضاء، خصوصًا المحتاجين والأيتام والأرامل الذين رعتهم مؤسسته الخيرية التي تعني بالبر والإحسان، أدرك مبكرًا أهمية العمل المؤسسي في فعل الخير، وأن الرجال لا يُقاسون بما جمعوه لأنفسهم، بل بما تركوه للناس من أثر طيب، وما زرعوه في الأرض بعد رحيلهم.
نشأ الشيخ سعد في بيئة من بيئات الباحة التي عُرفت بالكرم والشهامة والتكافل، وهي القيم التي تشربها منذ صغره، أحب العلم وأهله، واعتاد مجالسة العلماء والاستماع إلى سير الصالحين، فصقلت تلك البيئة شخصيته ومنحته روحًا تميل إلى الخير والإصلاح بين الناس.
لم يبدأ سعد بن زومة «رحمه الله» طريقه في الحياة بثروة موروثة أو فرص جاهزة، بل انطلق من تحت «الصفر»، شق طريقه بجهدٍ وصبر وعصامية، وكانت أولى خطواته العملية افتتاح محطة للمحروقات في بلجرشي في وقت كانت المنطقة بحاجة كبيرة لمثل هذه الخدمات، ثم اتسعت أعماله تدريجيًا، حتى أصبح اسمًا حاضرًا في عالم التجارة والاستثمار، متنقلًا بأعماله بين الباحة وجدة ومكة المكرمة.
لم تكن سر محبة الناس له في نجاحه الاقتصادي فحسب، بل في الوجهة التي اختارها لهذا النجاح، فقد أدرك مبكرًا أن المال الذي يبقى هو المال الذي يتحول إلى خيرٍ للناس، لذلك كان حاضرًا في دعم الجمعيات الخيرية، ومساعدة الفقراء والمحتاجين، وتمويل كثير من المبادرات الإنسانية، وكثير من تلك الأعمال ظل بعيدًا عن الأضواء، حتى إن ما لا يعرفه الناس من عطائه ربما كان أكثر مما عرفوه.
وكان للعلم نصيب من هذا العطاء؛ إذ دعم نشر الكتب العلمية، وأسهم في طباعة عدد منها على نفقته الخاصة، إيمانًا منه بأن نشر المعرفة صدقة جارية لا ينقطع أثرها، ولهذا لم يكن رحيله حدثًا عابرًا في المجتمع، بل فقدًا حقيقيًا لرجلٍ كان سندًا لكثيرين، وملجأً لكثير من المحتاجين، وظلًا وارفًا للفقراء الذين وجدوا في عطائه سكينةً ورحمة.
واليوم، وبينما يودع الناس هذا الرجل الذي عاش بينهم محسنًا كريمًا، يبرز سؤال إنساني جميل: هل تحتفي بلجرشي بالظل الوارف؟ إن إطلاق اسم الشيخ سعد بن علي بن زومة على أحد شوارع المدينة ليس مجرد لافتة تُثبت على طريق، بل هو رسالة وفاء لأحد أبنائها البررة، وتذكير دائم للأجيال بأن هذه الأرض أنجبت رجالًا جعلوا من الخير طريقًا لحياتهم.
ومن هذا المنطلق، نتطلع إلى مبادرة كريمة من صاحب السمو الملكي الأمير د حسام بن سعود بن عبدالعزيز أمير منطقة الباحة «القريب دوماً من نبض أبناء منطقته» بتسمية أحد شوارع بلجرشي باسم هذا الرجل الذي ترك في ذاكرة الناس أثرًا لا يُنسى.
بعض الرجال يمضون من الدنيا بهدوء، لكن ظلالهم تبقى ممتدة في حياة الناس.. وسعد بن زومة كان أحد أولئك الذين سيبقى ظلهم وارفًا طويلًا في ذاكرة المكان والإنسان.