عبدالله صالح المحمود
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها البيئة الأمنية في الشرق الأوسط، يتجدد الحديث عن فكرة إنشاء حلف عسكري خليجي قادر على مواجهة التحديات الأمنية المتنامية في المنطقة.
ويعكس هذا الطرح إدراكًا متزايدًا لطبيعة التحولات الإستراتيجية التي يشهدها الإقليم، إلا أن من المهم التذكير بأن دول مجلس التعاون الخليجي لا تبدأ من نقطة الصفر في مجال الدفاع المشترك.
فمنذ تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981، وضعت الدول الأعضاء أسس التعاون الدفاعي عبر اتفاقية الدفاع المشترك وتشكيل قوات درع الجزيرة، التي مثّلت الإطار العسكري الجماعي الأول لحماية أمن دول المجلس. ومع تطور البيئة الأمنية الإقليمية، شهد هذا التعاون مراحل متقدمة من التطوير، كان أبرزها إنشاء القيادة العسكرية الموحدة لدول مجلس التعاون ومقرها الرياض، في خطوة هدفت إلى رفع مستوى التنسيق العملياتي بين القوات المسلحة الخليجية وتعزيز العمل العسكري المشترك.
غير أن طبيعة التهديدات التي تواجه الخليج اليوم تختلف إلى حد كبير عن التهديدات التقليدية التي نشأ في ظلها هذا التعاون الدفاعي. فالمشهد الأمني الإقليمي يتجه نحو أنماط جديدة من الصراعات، تتسم بالحروب غير المتكافئة، وانتشار الصواريخ الباليستية، وتزايد استخدام الطائرات المسيّرة، إلى جانب تصاعد الهجمات السيبرانية التي تستهدف البنى التحتية الحيوية والمنشآت الاقتصادية.
كما تبرز أهمية أمن الممرات البحرية في الخليج العربي وبحر العرب والبحر الأحمر، وهي ممرات يمر عبرها جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية. وهذا ما يجعل أمن الخليج مسألة لا ترتبط فقط بحماية حدود الدول، بل تمتد لتشمل استقرار الاقتصاد العالمي وأمن سلاسل إمداد الطاقة.
وفي ضوء هذه التحولات، يبدو أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إنشاء إطار دفاعي جديد بقدر ما يتمثل في تطوير مؤسسات التعاون العسكري الخليجي القائمة وتحويلها إلى منظومة ردع عملياتية متكاملة. ويتطلب ذلك تعزيز دور القيادة العسكرية الموحدة، وتسريع بناء شبكة خليجية مشتركة للدفاع الجوي والصاروخي والإنذار المبكر، بما يسمح بربط منظومات الدفاع المختلفة في دول المجلس ضمن منظومة واحدة قادرة على التعامل مع التهديدات العابرة للحدود.
كما يبرز في هذا السياق بُعد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في توسيع نطاق التعاون في مجالات التقنية العسكرية والبحث والتطوير الدفاعي، بما يسهم في بناء قاعدة صناعية وتقنية خليجية مشتركة قادرة على دعم الأمن الإقليمي وتعزيز القدرات الدفاعية على المدى الطويل.
وفي الوقت ذاته، فإن نجاح أي منظومة أمنية مشتركة يظل مرهونًا بدرجة عالية من التوافق السياسي ووحدة الرؤية الاستراتيجية بين الدول الأعضاء. فالتكامل العسكري في جوهره انعكاس مباشر لعمق التنسيق السياسي والثقة المتبادلة، وهو ما يمثل الركيزة الأساسية لأي منظومة دفاع جماعي فعالة.
تمتلك دول الخليج المقومات اللازمة لتحقيق هذا التحول؛ فهي تقع في موقع جغرافي محوري في قلب طرق الطاقة العالمية، وتمتلك موارد اقتصادية كبيرة، إلى جانب قوات عسكرية شهدت تطورًا ملحوظًا خلال العقود الماضية من حيث التسليح والتدريب والجاهزية العملياتية.
ومع استمرار مسار التقارب والعمل الخليجي المشترك، يمكن تحويل هذه القدرات إلى منظومة ردع إقليمية أكثر تماسكًا وقدرة على التعامل مع التحديات الأمنية المتغيرة في المنطقة.
لذلك ربما لا يكون السؤال اليوم هو: ما إذا كان الخليج بحاجة إلى حلف عسكري جديد، بقدر ما يتعلق بكيفية نقل منظومة الأمن الخليجي القائمة من مرحلة التنسيق إلى مرحلة التكامل العملياتي الحقيقي؛ وهو التحول الذي قد يشكل أحد أهم مرتكزات استقرار الخليج وأمنه في المرحلة المقبلة.