د. علي بن عالي السعدوني
الخطاب الإعلاني السياحي لم يعد مجرد نافذة تعريفية بالمدن، بل أصبح جهازاً بلاغياً معقّداً يعيد تشكيل صورة المكان في وعي المتلقي. وإذا تأملنا الإعلان السياحي السعودي عن الرياض، وجدنا أنفسنا أمام نص متعدد الطبقات، تتآزر فيه اللغة والصورة والإيقاع لصناعة معنى يتجاوز الوصف إلى الإقناع، ويتجاوز الإقناع إلى الإبهار. فالرياض في هذا الخطاب لا تُقدَّم مدينةً تُزار، بل تجربةً تُعاش، وهو انتقال دلالي بالغ الأثر في هندسة الرغبة السياحية. يبدأ الإعلان عادةً بتكثيف لغوي محسوب، حيث تُنتقى الألفاظ من حقل الحيوية والحركة: (اكتشف)، (عِش)، (انطلق)، (تجربة لا تُنسى). هذه الأفعال ليست بريئة في بنيتها التداولية؛ فهي أفعال أمرية تستنفر المتلقي وتدفعه نفسياً نحو التفاعل. وهنا تتجلّى فاعلية البلاغة الحديثة التي تدرك أن الفعل المضارع أو الأمر في الإعلان ليس مجرد زمن لغوي، بل هو محفّز سلوكي. إن الخطاب لا يقول لك: هذه مدينة جميلة، بل يقول: تحرّك نحوها الآن. ومن هذا التحويل تنشأ طاقة الإقناع.
ثم إن التركيب الإعلاني يميل إلى الجمل القصيرة المكثفة، وكأن النص يتماهى مع إيقاع العصر السريع. الحذف البلاغي حاضر بقوة، حيث تُترك فراغات دلالية يدعو الإعلان المتلقي لملئها بخياله. فعندما يُقال: (الرياض.. حيث تبدأ الحكاية)، فإن نقاط الحذف ليست زينة طباعية، بل أداة بلاغية تستثير التوقع وتفتح أفق التأويل. هنا تتحول البلاغة من البيان إلى الإيحاء، ومن التقرير إلى الإغراء.
أما على مستوى الصورة البيانية، فتكثر الاستعارة التشخيصية في وصف الرياض: مدينة تنبض، وجهة تحلم، ليل يضيء. هذه الاستعارات تنقل المدينة من الجماد إلى الحياة، وهو ما يمنح المكان طاقة وجدانية عالية. فالإنسان يتفاعل مع الكائن الحي أكثر من تفاعله مع الحجر، ولذلك تُؤنسن المدينة لتدخل المجال العاطفي للمتلقي. وهذه التقنية تتقاطع مع ما أشار إليه رولان بارت في حديثه عن (أسطرة المكان)، حيث يتحول الفضاء الجغرافي إلى كيان رمزي مشحون بالدلالات.
ولا يقل الجانب البصري بلاغة عن الجانب اللغوي. اللقطات الليلية المضيئة تهيمن على كثير من الإعلانات السياحية للرياض، وهي اختيار مقصود يفكك الصورة النمطية القديمة المرتبطة بالصحراء والسكون. الليل هنا ليس زمناً للهدوء، بل مسرحاً للحياة. الأضواء الكثيفة، وزوايا التصوير الواسعة، والحركة الانسيابية للكاميرا، كلها عناصر تشكّل ما يمكن تسميته (بلاغة الانبهار البصري). إن الصورة تقول ما لا تقوله الكلمات: هذه مدينة عالمية نابضة.
ومن اللافت أيضاً توظيف التضاد بوصفه أداة حجاجية ذكية؛ فالخطاب يجمع بين الأصالة والحداثة، بين الدرعية بوصفها ذاكرة، البوليفارد بوصفه راهناً متجدداً. هذا الجمع لا يُعرض عرضاً عفوياً، بل يُبنى بعناية ليؤكد أن الرياض مدينة تستطيع احتواء المتناقضات في انسجام. وهنا تتشكل حجة ضمنية قوية من يزور الرياض لا يختار بين الماضي والمستقبل، بل يحظى بهما معاً.
وعلى مستوى الألوان، يبرز الأزرق والبنفسجي في مشاهد الترفيه، في إيحاء واضح بالحداثة والابتكار، بينما يحضر الذهبي في مشاهد التراث ليمنحها مهابة وعمقاً زمنياً. هذه الازدواجية اللونية تؤدي وظيفة سيميائية دقيقة؛ فهي ترسم هوية بصرية مركبة للمدينة، تجمع بين الجذور والآفاق. اللون هنا يتحول إلى خطاب موازٍ للكلمة.
أما من حيث البنية الحجاجية، فإن الإعلان السياحي للرياض يعتمد ثلاث طبقات من الإقناع: العاطفة، والاجتماع، والمكانة. فهو يثير الدهشة عبر المشاهد المبهرة، ويطمئن المتلقي بإظهار الأسر في فضاءات آمنة منظمة، ثم يعزز صورة المدينة بربطها بالفعاليات العالمية. وهكذا لا يُبنى القرار السياحي على معلومة مجردة، بل على شعور متكامل بالثقة والرغبة والانتماء المؤقت إلى المكان.
وإذا قرأنا هذا الخطاب في سياق التحولات الثقافية الكبرى في المملكة ضمن رؤية 2030، بدا الإعلان السياحي جزءاً من مشروع رمزي أوسع لإعادة تعريف الهوية الحضرية السعودية. فالرياض في هذا الخطاب ليست فقط عاصمة سياسية، بل منصة ثقافية وترفيهية عالمية. ومن هنا تتجاوز البلاغة وظيفتها الجمالية لتغدو أداة من أدوات القوة الناعمة، وصناعة الصورة الذهنية.
لذا نقول إن الإعلان السياحي للرياض يمثل نموذجاً متقدماً لتلاقي البلاغة العربية مع تقنيات الاتصال الحديثة. إنه خطاب يشتغل على الحواس قبل العقول، وعلى الإيحاء قبل التصريح، وعلى صناعة الرغبة قبل تقديم المعلومات. وفي هذا يكمن سر نجاحه: فهو لا يكتفي بأن يُعرِّفك بالمدينة، بل يجعلك وأنت في مكانك تشعر بأن الحكاية بدأت بالفعل.