فاطمة الجباري
الأمان ليس مكانًا نصل إليه بقدر ما هو شعور يسكننا، ينساب في القلب بهدوء، ويمنح الروح فسحة تنفّس. هو ذلك الإحساس العميق الذي يبعث الطمأنينة ويُعيد ترتيب الفوضى الداخلية، فيُحيي التفاؤل، ويجعل للحياة طعمًا أقل قسوة وأكثر وضوحًا.
نشعر بالأمان حين لا نضطر إلى ارتداء الأقنعة، حين نكون على طبيعتنا دون خوف من انكسار أو خذلان. نشعر به في حضن صادق، في كلمة تطمئن، في وجود لا يشترط ولا يهدد، بل يَسند. قد يكون الأمان في شخص، أو ذكرى، أو فكرة، أو حتى في عزلة نختارها بإرادتنا. الأمان لحظة تصالح مع الذات قبل أن يكون اعتمادًا على الآخرين.
وحين يسكن الأمان في داخلنا، ينعكس على حياتنا كلّها. نصبح أكثر قدرة على الحلم، وأجرأ في اتخاذ القرار، وأهدأ في مواجهة التقلبات. الأمان يمنحنا ثقة بأن القادم -مهما كان- يمكن احتماله. وبدونه، تتحول النجاحات إلى قلق، والعلاقات إلى اختبارات مستمرة، والطموح إلى عبء ثقيل.
الأمان هو الجذر الخفي لكل ازدهار إنساني؛ فمن لا يشعر بالأمان، يصعب عليه أن يمنح، أو يبدع، أو يستقر. لذلك، تسعى النفوس قبل الأجساد إلى حيث تشعر بأنها محمية، مفهومة، غير مهددة.
والوطن.. هو الأمان الأكبر. حين تخفت أضواء الأوطان من حولنا، يظل الوطن الحقيقي هو ذاك الذي يمنح أبناءه شعور الانتماء، والكرامة، والاستقرار. الوطن أمان حين يكون ملاذًا لا ساحة خوف، وذاكرة دفء لا مساحة قلق. به نطمئن، ومنه ننطلق، وإليه تعود أرواحنا كلما أثقلها التعب.
فلنُبحر إذن حيث يكون الأمان، لأن الطمأنينة ليست ترفًا.. بل ضرورة للحياة.