أحمد محمد السعدي
منذ أن اتخذت الحكاية لنفسها مكاناً في وجدان البشر، كانت الدراما مرآة تُرفع أمام الحياة، تعكس صورة الإنسان بكل تجلياته. غير أن هذه المرآة في زماننا صارت مشوهة الرؤية، محدبة تزيد العيوب جسامة وتصغر المزايا حتى تكاد تختفي. صرنا كمن ينظر في ماء متكدر، فلا يرى إلا ظلاله القاتمة، متناسياً أن السماء فوقه صافية.
لا جرم أن الصراع هو روح الحكاية، ولا حكاية من غير صراع. فالخيانة تثير الفضول، والمخدرات تصنع التشويق، والانتقام يلهب المشاعر. إنها موضوعات «سهلة» المأخذ، سريعة الالتقاط، تضمن للمنتج التفات المشاهدين حول شاشاتهم، يبحثون عن الإثارة التي افتقدوها في رتابة حياتهم، كمن يبحث عن ملح الطعام في جرحه الغائر. لكن السؤال الأعمق الذي يستحق التأمل، ويعنّ للقلب قبل العقل: لماذا تظل الدراما العربية أسيرة هذا الجانب المظلم من الوجود؟ لماذا نرى الخيانة تطل من كل نافذة، والمخدرات تنساب في شرايين كل حكاية، والانتقام يلوح خلف كل باب موصد، بينما يتوارى التكاتف والمحبة والوفاء خلف ستائرهن خجلاً، وكأنهن غرباء عن هذا الزمان؟ ما أردت التجني على الفن، ولا المطالبة بتزكية النفس، فالإنسان في حقيقته كائن معقد، يحمل من النور والظلمة ما يجعله جديراً بأن يكون موضوعاً لفن عظيم راق. ولكن العيب كل العيب، والخطأ كل الخطأ، أن يصبح هذا الجانب المظلم هو الوجه الوحيد الذي نكشف به عن المجتمع. أن نصدق أن مجرد عرض الخيانة يعني أن الكل خونة، وأن ذكر المخدرات يعني أن المجتمع غارق في أوحالها، وحاشا لله أن يكون مجتمعنا كذلك.
لعل السر في ذلك أن رسم الجمال صعب شاق، لا يجيده إلا من حباه الله موهبة استثنائية. تقديم المحبة دون أن تسقط في الوعظ المباشر، وإبراز الوفاء دون أن يصبح مبتذلاً مكروراً، وتصوير التكاتف دون أن يكون خطابياً بارداً، كل هذا يحتاج إلى موهبة تستلهم الجمال من عمق الحياة. أما تقديم القبيح فأيسر سبيلاً، لأنه يلامس الغرائز الأولى في الإنسان، ولا يحتاج من الكاتب إلا أن يطلق العنان للوحش الكامن في النفس.
والحكاية الجميلة حقاً ليست تلك التي تخلو من الصراع، فتلك حكاية بلا روح. بل الحكاية الراقية هي التي تضع الصراع في موضعه الصحيح، تجعله وسيلة لا غاية، وتجعل النور هو المنتصر في النهاية، ولو بعد حين. ربما آن الأوان ونحن نعيش شهر رمضان المبارك، شهر القرآن والرحمة والغفران، أن نعيد النظر في علاقتنا بالدراما. لست أدعو إلى مسلسلات وردية تخلو من العيوب، فذلك ليس فناً يعبر عن الحياة ولا حقيقة تعكس الواقع. لكني أدعو إلى توازن يليق بكرامة الإنسان، إلى أن نرى الإنسان في تعقيده الكامل، بشره وخيره، بضعفه وقوته، بانكساراته وانتصاراته، كما خلق الله عباده.
أطالب كتّاب الدراما ومنتجيها، وهم أهل فكر وإبداع، ألا يخافوا من تقديم النماذج المشرقة بنفس القوة الفنية التي يقدمون بها النماذج المعتمة. ففي مجتمعنا من قصص التكاتف الأسري ما يفوق الخيال، وفي بيوتنا من نماذج الوفاء ما يذهل العقول، وفي حياتنا من بطولات يومية خفية ما يستحق أن يخلد في أعمال درامية راقية.
وأطالب المشاهدين، وهم الحكم الأخير، ألا يخافوا من رؤية أنفسهم في تلك النماذج المشرقة، وأن يفخروا بها، وأن يدعموها بمشاهدتهم وإعجابهم، فالإقبال الجماهيري هو اللغة التي يفهمها المنتجون.
ففي النهاية، الدراما الحقيقية الخالدة هي تلك التي تجعلنا نخرج منها وقد ازداد حبنا للحياة، وإيماننا بالإنسان، ويقيننا أن النور مهما خفت في ليلة ظلماء، يبقى نوراً. وهي تلك التي تذكرنا بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا} (يونس:5)، ففي الحياة ضياء ونور، وعلينا أن نريهما للناس كما نريهم الظلال والعتمة.
والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.