د. محمد بن أحمد غروي
رحل البروفيسور سيد محمد نقيب العطاس (94 عامًا) قبل أيام، في مشهد مهيب خلال الشهر الفضيل تقدم بالصلاة عليه رئيس الوزراء الماليزي ولفيف من الوزراء، بعد مسيرة حافلة في الفكر الإسلامي والمعرفة الإسلامية، بدأت منذ حقبة الستينيات، وبرحيله تفقد ماليزيا أبرز الشخصيات الفكرية المؤثرة ومؤسس المعهد الدولي للفكر والحضارة الإسلامية (ISTAC) في ماليزيا. وُلد العطاس في الخامس من سبتمبر عام 1931، وشكّل تراثه أساسًا متينًا لتفكيره الديني والأخلاقي، وبدأ تعليمه الابتدائي في سن الخامسة في ولاية جوهور إبان الاحتلال الياباني لماليزيا، والتحق رحمه الله بمدرسة «العروة الوثقى» حيث تعلم اللغة العربية. وفي طور نشأته اطلع على مجموعة من المخطوطات الماليزية النادرة والأدب الغربي الكلاسيكي، وشكّلت معرفته المبكرة بالعلوم الإسلامية والأدب الغربي والماليزي الركائز التي ستميز مجمل أعماله طوال حياته.
إلا أن مساره العلمي والفكري كان بعيدًا عن المألوف في ذلك الوقت، فبعد ويلات الحرب العالمية الثانية، قادته دراسته من شواطئ جوهور إلى أروقة الأكاديمية العسكرية الملكية ساندهيرست في المملكة المتحدة، وعلى الرغم من خدمته كضابط في فوج الملايو، إلا أنه استقال لمتابعة دراسته في جامعة مالايا، وحصل في نهاية المطاف على درجة الماجستير من جامعة ماكجيل، ثم على درجة الدكتوراه من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) في لندن.
رؤية العطاس قامت على عدم رفض العلم الحديث، بل أسلمته، وذلك بتجريده من افتراضات المادية وإعادة دمجه في إطار تكون فيه الروح والخالق هما المرجعان الأساسيان، وقد عرّف التعليم في الإسلام تعريفًا شهيرًا، بأنه غرس الأدب في النفس البشرية، حيث يشير الأدب إلى إدراك مكانة الأشياء الصحيحة في نظام الخلق بهدف إعداد «إنسان صالح»، لا مجرد «مواطن صالح»، فالإنسان الصالح هو صاحب أدب، يُدرك مكانته في الكون ويتعامل بعدل مع نفسه ومجتمعه لينعكس ذلك على حياته الشخصية والجماعية في مجتمع متعدد الأعراق، بما فيها البيئة الروحية والمادية غير البشرية.
وقد ألّف سبعة وعشرين كتابًا مرجعيًا في جوانب مختلفة من الفكر والحضارة الإسلامية، في مجالات علم الكون والفلسفة والتاريخ واللغة والأدب الماليزيين، كما أن إرثه الفكري ترجم للعربية. يؤكد الراحل أن المعرفة تقوم على المفردات، وبدون تصحيح المصطلحات الأساسية التي تُشكّل النظرة الإسلامية للعالم، سيتحول مفهوم «الأسلمة» إلى مجرد كتب مدرسية مُثقلة باقتباسات قرآنية، لكنها مُجرّدة من تماسكها المفاهيمي. وبدون إعادة توجيه البنية الجامعة وترتيب مختلف فروع المعرفة في تسلسلها الهرمي الصحيح، لن يُصحّح التشويش والخطأ المعرفي الذي يُعيق العقل المسلم، مما يُشكّل عائقًا أمام إنتاج المعرفة الحديثة. تجلت رؤيته في مجالي التعليم والثقافة، فتم إدخال تغييرات على المناهج الدراسية في مؤسسات التعليم العالي في جامعات ماليزيا وأكاديمياتها وتحديد مجالات بحثية متخصصة في معاهد بحثية. كما كان لمفهومه بالغ الأثر في المجال الثقافي، ونتج عنه تأثر الأدب الماليزي بشكل كبير بالعناصر الإسلامية.
تجاوزت أعماله حدود التخصصات، فكتب في الفلسفة والميتافيزيقا والتربية واللغة والثقافة والتاريخ والحضارة الإسلامية بعمقٍ ملحوظ. وبينما يركز كثير من العلماء على تخصصات أكاديمية منفصلة، تناول العطاس المعرفة كحقيقة موحدة. فبالنسبة له، لم تكن المعرفة مجزأة إلى فروع، بل كانت نظامًا متكاملًا متجذرًا في الرؤية من منظور إسلامي للعالم. حددت أعماله الافتراضات الفلسفية العميقة المتأصلة في الحضارة الغربية، كالثنائية بين الدين والمعرفة، والتفسيرات المادية للواقع، والنسبية في الأخلاق والحقيقة.
كما يرى أن على المسلمين فهم هذه الافتراضات قبل تبني العلوم أو الأطر الثقافية الغربية. فبدون ذلك الفهم، يخاطر المسلمون باستيراد التكنولوجيا أو الأنظمة والنظرة الفلسفية للعالم التي تصاحبها. وعلى عكس العديد من المفكرين الذين اقتصروا على تأليف الكتب، سعى العطاس إلى ترسيخ رؤيته الفكرية في معهده الفكري العالمي (ISTAC) الذي ينظر له من خلال تصميمه الجامع بين الطراز الأندلسي والملايوي الذي يروى بساطة وجمال العمارة الإسلامية وإندماجها مع الثقافة المعمارية الماليزية.
ختم الراحل مسيرته بتتويج السلطان إبراهيم، ملك ماليزيا، له بلقب الأستاذية الملكية في أكتوبر 2024، تقديرًا لإسهاماته الجليلة في خدمة البلاد، ولا سيما في مجال التعليم والفكر.