العقيد م. محمد بن فراج الشهري
منذ سنوات ولبنان يعيش أسوأ حالاته، حيث بقي سنوات عديدة بدون رئيس وكان كل ذلك بفعل فيتو حزب الله الذي كتم أنفاس لبنان طوال هذه السنوات، وقد استبشرنا خيراً بانتخاب حكومة ورئيس حكومة لكن الفرحة لم تكتمل وبقي لبنان على حاله مكتوف الأيدي.. وقد سبق لي أن كتبت العديد من المقالات في السنوات الماضية التي تعنى بالشأن اللبناني ومشاكله وقلت -وهذا رأيي الشخصي- إن لبنان لن تقوم له قائمة طالما حزب الله يصر على أن يحكم لبنان لصالح إيران، وهو خرق فاضح لكل الأعراف والقوانين أن تعيش في دولة وولاؤك لدولة أخرى كل الويلات التي تصُب على لبنان اليوم هي من كرامات «حزب الله» على لبنان كدولة وعلى الشعب اللبناني ، ما الذي جناه نعيم قاسم حتى الآن من عنترياته التي لن تدوم طويلاً، جعلوا حوالي مليون لبناني شبه مهجرين تركوا مساكنهم وأراضيهم نتيجة القصف الإسرائيلي اليومي من أجل ماذا؟ من أجل أن يرمي «حزب الله» صاروخ أو اثنين أو يحاول أن ينفذ ما تمليه عليه إيران من تعليمات دون الاكتراث بما سيحل بهذا الشعب الذي لم ينعم بالاستقرار والأمن منذ سنوات.. والحكومة اللبنانية عاجزة حتى الآن عن إيقاف «حزب الله» ، وعدم تركه يتصرف كدولة مستقلة داخل دولة، ولقد قلنا وقال كل من يحب لبنان إن البلد لا يمكن أن تقوم له قائمة طالما «حزب الله» يجثم على صدره، ويتصرف بكل رعونة خارج الإطار اللبناني، وليس لبنان وحده، بل إن كل الدول العربية التي تعيش المليشيات على أراضيها وتشاركها لن تقوم لها قائمة، والأدلة كثيرة من لبنان إلى اليمين، إلى العراق، إلى ليبيا، إلى السودان، والوقائع والأحداث أثبتت ذلك، أن سبب خراب البلدان العربية التي تتمركز فيها تلك المليشيات هي ما تقوم به هذه المليشيات من أعمال لا تنسجم مع الدولة نفسها ولا تمثلها، بل هي تعمل لصالح من يموِّل هذه المليشيات ويسعى إلى تثبيتها لتبقى شوكة في قلب البلد تنهب خيراته وتعبث بمصيره السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، وحتى الآن والحكومة اللبنانية عاجزة عن إيجاد مخرج لهيمنة حزب الله على لبنان وإفشال كل قراراته والتعدي على سلطته.. وخلاص لبنان هو في تطبيق «دولة واحدة وجيش واحد» وحصر السلاح واستعادة سيادة الدولة، يتطلب ذلك بناء دولة مدنية قادرة على إنهاء الانقسام السياسي، والتحرّر من تأثير المحاور الإقليمية، واعتبار الجيش اللبناني هو ركيزة الخلاص الوطني، وأن لا يكون هنالك سلاح غير سلح الجيش وإنهاء ازدواج القوة وهيمنة مليشيات على دولة وجيشها. والعمل على بناء دولة مدنية وتعزيز مؤسساتها لتكون قادرة على إدارة البلاد وحماية الحدود، بدلاً من المليشيات والأحزاب المسلحة، والتحرر من التدخلات الخارجية التي تؤثّر على قرارات البلاد، ودعم الجيش اللبناني بصفته المؤسسة الوحيدة القادرة على حماية البلد، وضمان استقراره، كذلك إنهاء النزاعات الطائفية، والسياسية، والانقسامات التي تعكر صفو لبنان كله وشعبه كما هو حاله اليوم، حيث يقف لبنان بين عدوان إسرائيلي متواصل وسلاح «حزب الله» الخارج عن الدولة، وهي معادلة كرَّست الحروب بدل الحماية، والخلاص لا يكون بهزيمة طرف أو شيطنة طائفة، بل بإنهاء الاعتداءات الإسرائيلية وتحول الحزب إلى قوة سياسية داخل الدولة، وإعادة بناء دولة قادرة على حماية جميع اللبنانيين، والصواريخ التي أطلقها حزب الله حتى الآن هي ليست للدفاع عن لبنان لكنها كانت رداً على اغتيال المرشد الإيراني وهي بذلك تعيد لبنان للمربع الأول، وتسبب عملها المشين هذا بقتل العدو الإسرائيلي أكثر من «700» شخص بينهم أكثر من «150» طفلاً ، وأصيب أكثر من ألف حتى كتابة هذه السطور، فيما نزح مئات الآلاف من جنوب البلاد ومن الضاحية الجنوبية لبيروت إلى مناطق أخرى مع توغل واسع للقوات الإسرائيلية في القرى الحدودية كل ذلك من أجل اغتيال المرشد فما ذنب لبنان في هذا الموضوع، وبالنسبة إلى اللبنانيين تبدو هذه المشاهد تتكرر مأساوياً لما عاشوه في أواخر عام 2024م، إلا أن الفارق هذه المرَّة أن «حزب الله» يبدو أضعف بكثير مما كان عليه قبل عامين، لكن مأزق لبنان لا يختصر في ميزان القوى العسكرية، فلبنان يجد نفسه اليوم بين معضلتين متزامنتين: اعتداءات إسرائيلية متواصلة من جهة، ووجود تنظيم مسلح يملك المقدرة على جر البلاد بأكملها إلى مواجهة مدمرة من جهة أخرى، وبين هذين العاملين يقف المجتمع اللبناني، أمام واقع شديد القسوة.. والخروج من هذا المأزق لا يمكن أن يقتصر على السعي إلى تقييد قدرة «حزب الله» على اتخاذ قرارات أحادية، بل يتطلب الأمر أيضاً مواجهة واقع الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على لبنان، والتي تجاوزت كل الحدود المعقولة سياسياً وإنسانياً.